تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
فقالوا : يدفن من كان على ساقة الكرم وتاريخ الأدب ، ولا يتكلّم فيه ؟ إنّ هذا لوهن وتقصير ! فلمّا طلع سريره قام ثلاثة نفر منهم ، فقال أحدهم [ البسيط ] :
اليوم مات نظام الفهم واللسن * ومات من كان يستعدى على الزمن وأظلمت سبل الآداب إذ حجبت * شمس المعارف في غيم من الكفن
وتقدّم الثاني فقال [ الكامل ] :
ترك المنابر والسرير تواضعا * وله منابر لو يشأ وسرير ولغيره يجبى الخراج ، وإنّما * تجبى إليه محامد وأجور
وتقدّم الثالث فقال [ الطويل ] :
وليس نسيم المسك ريح حنوطه * ولكنّه ذاك الثناء المخلّف وليس صرير النعش ما تسمعونه * ولكنّه أصلاب قوم تقصّف
قال الصولي : وكان المتوكّل يوجب لأحمد بن أبي دواد حقّه ، ويستحيي أن يناله بمكروه ، وكان يكره مذهبه [ و ] ما كان يقوم به من أمره أيّام الواثق وعقد الأمر له والقيام به من بين الناس . فلمّا فلج أحمد بن أبي دواد في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين ، ولّى المتوكّل ابنه أبا الوليد محمّد بن أحمد القضاء مكان أبيه والمظالم . ثمّ عزله في سنة أربعين ووكّل بضياعه وضياع أبيه . ثمّ صولح على ألف ألف دينار ، وأشهد على أحمد بن أبي دواد وابنه أبي الوليد في ذي الحجّة سنة أربعين . ومات أبوه أحمد بعده بعشرين يوما . وقال الخطيب : مات أحمد يوم السبت لتسع « 1 » بقين من المحرّم سنة أربعين ومائتين ، وبينه وبين ابنه نحو شهر . ودفن بداره ببغداد وصلّى عليه ابنه العبّاس . ودخل عليه عبد العزيز بن يحيى المكّي صاحب كتاب الحيدة « 2 » وهو مفلوج فقال : لم آتك عائدا ، ولكن جئت لأحمد اللّه على أن سجنك في جلدك ! وكان أحمد بن أبي دواد من أفاضل المعتزلة ، وممّن تجرّد في إظهار مذهبه والذبّ عن أهله . ولم ير في أبناء جنسه أكرم منه ولا أنبل ولا أسخى .

563 - أبو أيّوب ابن شجاع [ - 266 ] « 3 »

[ 70 أ ] أحمد بن محمد بن شجاع ، ابن أخت أبي الوزير أحمد بن خالد صاحب الخراج في أيّام المعتصم ، يكنّى بأبي أيّوب ، أحد عمّال الخراج بمصر زمن أحمد بن طولون . تقلّد الخراج بعد أحمد بن محمد بن المدبّر في سنة ثمان وخمسين ومائتين . فلم يزل إلى أن خالف العبّاس بن أحمد بن طولون على أبيه ، وأخذ من التّجار مائتي ألف دينار سلفا ، وتقدّم إلى أبي أيّوب أن يجريها على جماعة من المتقبّلين « 4 » ، ففعل . فلمّا تفرّع أحمد بن طولون من أمر ابنه العبّاس ألزم أبا أيّوب غرم ما أخذه العبّاس من التجّار ، وقال له : لم يقنعك أن استلفت لعدويّ مالا حتّى
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 5 / 252 . ( 2 ) عبد العزيز بن يحيى الكناني ( ت 240 ) ، وكتاب الحيدة المنسوب إليه رسالة في مناظرة بشر المريسيّ ( الأعلام 4 / 154 ) . وهو من أصحاب الشافعيّ . ( 3 ) الكندي 27 - الخطط 2 / 250 . ( 4 ) أي جباة الخراج .
المقفى الكبير — صفحة 355 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي