تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
وقال أبو العيناء : كان أبو عبد اللّه أحمد بن أبي دواد شاعرا مجيدا فصيحا بليغا . وما رأيت رئيسا أفصح منه ولا أفطن منه . وما رأيت في الدنيا أحدا أحرص على أدب منه : وذلك أنّي ما خرجت من عنده يوما قطّ فقال : « يا غلام ، خذ بيده ! » ، بل كان يقول : « يا غلام ، اخرج معه ! » « 1 » فكنت أفتقد هذه الكلمة عليه فلا يخلّ بها ، ولا أسمعها من غيره . وقال محمد بن عمرو الروميّ : ما رأيت قطّ أجمع رأيا ولا أحضر حجّة من أحمد بن أبي دواد : قال له الواثق : يا أبا عبد اللّه ، رفعت إليّ رقعة فيها كذب كثير عليك . فقال : ليس بعجب أن أحسد على منزلتي من أمير المؤمنين فيكذب عليّ ! قال : زعموا فيها أنّك ولّيت القضاء رجلا ضريرا . قال : قد كان ذاك ، وأمرته أن يستخلف ، وكنت عزمت على عزله حين بلغني أنّه أصيب ببصره ، إلى أن بلغني أنّه عمي من بكائه على أمير المؤمنين المعتصم ، فحفظت له ذلك . قال : وفيها أنّك أعطيت شاعرا ألف دينار - يعني أبا تمّام الطائيّ . قال : ما كان ذلك ، ولكن أعطيته دونها ، وقد أثاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كعب بن زهير الشاعر ، وقال في آخر : « أقطع عنّي لسانه ! » وهذا شاعر طائيّ مدّاح لأمير المؤمنين ، مصيب ، محسن . لو لم أرع له إلّا قوله للمعتصم ، صلوات اللّه عليه ، في أمير المؤمنين أعزّه اللّه [ الكامل ] :
فاشدد بهارون الخلافة ، إنّه * سكن لوحشتها ودار قرار
. . . ولقد علمت بأنّ ذلك معصم * ما كنت تتركه بغير سوار « 2 »
فوصل الواثق أبا تمّام بخمسمائة دينار . ودخل أبو تمّام على أحمد بن أبي دواد فقال له : يا أبا تمّام ، أحسبك غائبا ؟ قال : إنّما نغيب على واحد ، وأنت الناس جميعا . فكيف نغيب عليك ؟ فقال : من أين هذا ؟ قال : من قول الحاذق - يعني أبا نواس - [ السريع ] :
وليس للّه بمستكثر * أن يجمع العالم في واحد
وله فيه وقد شرب دواء [ 123 ب ] [ المنسرح ] :
أعقبك اللّه صحّة البدن * ما هتف الهاتفات في الغصن كيف وجدت الدواء أوجدك اللّ * ه شفاء به مدى الزمن لا نزع اللّه منك صالحة * أبليتها من بلائك الحسن لا زلت تزهى بكلّ عافية * تجتثّها من معارض الفتن إنّ بقاء الجواد أحمد في * أعناقنا منّة من المنن لو أنّ أعمارنا تطاوعنا * شاطره العمر سادة اليمن
وقال فيه [ الوافر ] :
لقد أنست مساويء كلّ دهر * محاسن أحمد بن أبي دواد
هامش
( 1 ) أبو العيناء أعمى . ( 2 ) ديوان أبي تمّام 2 / 205 بيتا 52 و 59 .