تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
كتابه إلى الملك العادل بالشفاعة فيه فقبلها وأكرمه إلى أن مات . وعرضت عليه الوزارة بعد موت العادل غير مرّة فلم يرضها . وتوفّر على الرسيلة « 1 » والاقتداء برأيه . ونفذ به في الرسالة إلى الديوان العزيز ببغداد عدّة مرار . فقدمها في أيّام الخليفة الناصر والمستنصر . وكانا يحترمانه لذاته ولأبيه . ودخلها مرّة في سلطنة الملك الكامل محمد ابن العادل ، فأظهر من الحشمة والصدقات والصلات أمرا عظيما ، وأجازه الخليفة بعشرة آلاف دينار ، وأنفقها كلّها هناك .

[ نكبته ] :

وفي خامس جمادى الأولى سنة ستّ وعشرين وستّمائة أوقعت الحوطة على داره ، وحملت خزائن كتبه جميعها إلى قلعة الجبل في سادس عشرينه . فكانت عدّتها ثمانية وستّين ألف مجلّدة ، منها كتاب « الأيك والغصون » لأبي العلاء أحمد بن سليمان المعرّي ، في ستّين مجلّدا . وحمل من داره في ثالث جمادى الآخرة خشب خزائن الكتب مفصّلة في تسعة وأربعين حملا ، وكانت جمال الكتب تسعة وخمسين جملا ، حملت على ثلاث دفعات « 2 » . ثم ردّ إليه من الكتب في ثاني عشرين شهر رجب أحد عشر ألفا وثمانمائة وثمانية كتب ، مع الخزائن . وكانت وفاته بالقاهرة في يوم سادس جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستّمائة . ودفن بالقرافة عند أبيه . وكان عالما صالحا نزها عفيفا [ 107 أ ] نبيلا ، مجموع فضائل ، إلّا أنّ ابن سعيد في كتاب المغرب في أخبار المغرب ذمّه فقال : « كان من عجائب الدنيا ، فإنّه قرأ وروى من الحديث ما لم يظفر به كثير ، واجتمع عنده من كتب أبيه وما استفاده من الكتب ما هو مشهور ، ووفّر اللّه له من المال ما ورثه عن أبيه ونمّاه بتجارته وتقتيره ما لم يكن لأحد في بلده مثله . ورزقه اللّه من جاه السلطان ، واحترام أهل البلد ، والمنصب المتوارث ، ما كان معه في منصب الوزارة والرسالة إلى الخلافة . ولم يحرم مع ذلك من حسن النظم والنثر ، وتصرّف في فنون الأدب . ومع هذا كلّه فإنّه كان من أبخل الناس بأن يسمع عليه حديث ، أو يعير كتابا ، أو يسعى لأحد في حال ، أو ينعم على بشر بدرهم ، أو يأكل أحد في بيته كسرة خبز ، وقد نقلت عنه ممّن كان يصحبه في ذلك العجائب » . وهذا تحامل من ابن سعيد ! ومن شعره قوله [ الكامل ] :
أستودع اللّه الذين فقدتهم * فقد العيون الساهرات كراها وحمدت ربّي حيث كان لقاؤهم * يوما على الحال التي نهواها
وقوله [ السريع ] :
من شرف العفّة لا كان لي * في غيرها قسم ولا رزق أنّك إن رحت لها مؤثرا * أحبّك الخالق والخلق
وقوله [ السريع ] :
قد وفد الصبح فقم نصطبح * من الذي لا صبر لي عنه
هامش
( 1 ) الرسيلة : لعلّها تعني السفارة . ( 2 ) السلوك 1 / 232 .