تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
فقال : لا تخرجوا بعد هذا إلّا بمنشور ورجل من قبلي - وضمّ معهم الرافقي « 1 » ، وتقدّم إلى عامل الجيزة بإعانتهم بالرجال والنفقات . وساروا . فلمّا ظهرت لهم العلامات ركب إليهم وهم يحفرون فظهر حوض مملوء دنانير ، وعليه غطاء مكتوب عليه بالقلم القديم . فأحضر من عرّبه فإذا فيه : أنا فلان بن فلان ، الملك الذي ميّز الذهب من غشّه ودنسه . فمن أراد أن يعلم فضل ملكي على ملكه ، فلينظر إلى فضل عيار ديناري على عيار ديناره ، فإنّ مخلّص الذهب من الغشّ مخلّص في حياته وبعد وفاته . فقال : الحمد للّه ! ما نهتني هذه الكتابة عليه أحبّ إليّ من المال ، ثمّ أمر لكلّ رجل كان يعمل [ ب ] مائتي دينار منه ، ووفّى للصنّاع أجرهم ووهب لكلّ منهم خمسة دنانير ، وأعطى الرافقيّ ثلاثمائة دينار ، ولنسيم الخادم ألف دينار . فوجد عيار ذلك الذهب أجود عيار ، فتشدّد من ذلك اليوم في العيار حتى لحق ديناره بالدينار المعروف به ، وصار يقال له « الأحمديّ » فكان لا يطلى إلّا به . وكان إبراهيم بن قراطغان على صدقاته . فقال له يوما : أيّد اللّه الأمير ، إنّا نقف في المواضع التي تفرّق فيها الصدقة [ 95 ب ] فتخرج إلينا الكفّ الناعمة المخضوبة نقشا ، والمعصم الرائع الذي فيه الحديدة ، والكفّ الذي فيه الخاتم . فقال له : يا هذا ، كلّ من مدّ يده إليك فأعطه . فهذه هي الطبقة المستورة التي ذكرها اللّه في كتابه فقال :
يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ
[ البقرة : 273 ] . فاحذر أن تردّ يدا امتدّت إليك ، وأعط كلّ من يطلب منك ! وبات ليلة في قبّة الهواء خاليا مفكّرا . فقال له سوّار الخادم : قد مضى أكثر الليل ، ومولاي منتصب . فلو أعطى نفسه حظّها من الراحة ، كان ذلك أعود عليه . قال : يا بنيّ ، إنّا كلّفنا من القيام بأمر هذه البلدة ما كلّفناه . فإن نحن أعطينا أنفسنا حظّها من النوم والراحة ، وأهملنا الفكر في تدبير أحوالها ، والشغل بما يعود به صلاح أمورها وصيانة أهلها ، لم يأمنوا في سربهم . لكنّي أرى أن أتعب ويناموا أصلح من أن أستريح ويخافوا . وكان يقول لمن يقلّده الشرطة السفلانيّة : ارفق بالرعيّة ، وانشر العدل عليهم واقض حوائجهم ، وأظهر إكرامهم ، وتفقّد مصالحهم ، فإنّي أسير بالليل في محالّهم ، فكلّ موضع أمرّ به لا يخلو من قارئ أو داع أو متهجّد أو ذاكر للّه تعالى ، فوفّر علينا دعاءهم لنا ، واحرسنا من أن يكون دعاؤهم علينا ! وكان يقول لمن يقلّده الشرطة الفوقانية : تشدّد عليهم ، وأرهبهم ، وأغلظ عليهم ولا تلن لهم ! فإنّي أسير في محالّهم فلا أسمع إلّا غناء أو صوت سكران أو معربد قد أخرجته عربدته إلى الوثوب والكفر . وكان يتشدّد على قوّاده وغلمانه . وما خلت داره قطّ من كاتب خفيّ الشخص يقف عنده يعرف بكاتب السرّ يترصّد من يناظر ، فيكتب الابتداء ، والجواب بكلّ ما يجري . فإذا انقضى يومه أثبت جميع ما جرى وأنفذه مع من يثق به إلى أحمد بن طولون فيقف عليه ويتدبّره ، فإن وجد فيه ما يحتاج إلى زيادة أو تغيير أمر به فيمتثل . وعمل صنيعا فاخرا أطعم الناس فيه أيّاما ، أوّلها يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة بقيت من ربيع
هامش
( 1 ) في السيرة 192 : شيخ من أصحابه من أهل الثغر .
المقفى الكبير — صفحة 274 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي