تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
من الموالي لا يجري ذكرك بحضرته في مجلس الموفّق أو غيره إلّا بسط لسانه فيك وحرّض عليك - فكتب إليه : قد وجّهت إليك كتابا يصل إليه من يدك . فأوصله سرّا من جميع الناس مع ما حملته إليك لتوصله إليه ، ولا يقف عليه أحد ! - وكان الكتاب يصف فيه شوقه إليه ويتطلّع إلى معرفة خبره ، وأنّه قد كان منذ مدّة طويلة يطلب رجلا يعتمد عليه بالحضرة لمهمّاته ، فعسر ذلك عليه خوفا أن ينكشف أمره فيتعذّر عليه ما يحتاج إلى معرفته من جهته . [ وقال ] : فلمّا بلغني مقالاتك فيّ ، وبسط لسانك بذكري بما يسرّ العدوّ ويغمّ الصديق ، علمت أنّه بهذه الحالة يتمّ لي منك ما أحبّه ، وتيقّنت أنّ [ ه ] بمودّتك ورجوعك إليّ يبلغ كلّ منّا غرضه . وقد أنفذت إليك ما أستميل به قلبك وأرغب فيه بمؤاخاتك ومسالمتك ، فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « تهادوا تحابّوا ! » ، وقال عليّ عليه السلام : « الهديّة عطفة القلوب » . وقد وجّهت إليك بما جعلته هديّة إليك : ألفي دينار تصرفها في بعض مهمّاتك . ولن أقطع مواصلتك بحسب ما أقف عليه من خلوص طويّتك وصحّة نيّتك . فلا تخلني يا أخي من ذكر أحوالك حسّنها اللّه ، فتكاتبني بجميع ما أحتاج إلى علمه . فإنّ الذي تأتيه من ذلك يغيب ويستتر عن الخلق كلّهم لما يعرفونك به من الانحراف عنّي ، ولا تقطع ذكرك لي بما جرت به عادتك فيّ ، بل تزيّد في الطعن عليّ وثلبي ، فإنك تبلغ لي بذلك ما أحبّه في قضاء حوائجي وتسرّني بما تأتيه فيه إن شاء اللّه . فلمّا وصل الكتاب والمال ، دعا وشكر ، وصار من أخصّ أصحاب أحمد بن طولون يكاتبه بجميع ما يجري في دار الموفّق ودار المعتمد وسائر البلد بما يحتاج إلى علمه . واستتر أمره مدّة طويلة عن أصحاب أخبار الموفّق . ثمّ انكشف أمره للموفّق فأحضره وضربه بالسياط ورماه بالمطبق فأقام فيه أيّاما ومات . فانتفع به أحمد بن طولون ثم استراح منه بأهون سعي .

[ زهادته في اللذات ] :

وكان عند أمّ ولده جوار أهدين إليه ما رأت أحسن منهنّ ولا أجمل فشوّقته إليهن بحسن الصفة لهنّ . فذكر لها شغل قلبه عن ذلك . ثمّ دخل إليها بعد ليال فتبيّنت منه انشراح صدر وطيبة نفس . فذكرتهنّ له ، فقال : اعرضيهنّ عليّ ! - ففعلت . فنظر إلى الأولى وقال : حسنة واللّه ! - ثمّ أحضر بعض الخدم وقال : امض بها إلى غلامي فلان وقل له : بحياتي عليك ، اطلب منها الولد ! ثمّ لم يزل يفعل ذلك بواحدة واحدة حتّى استوفى عدّتهنّ منها . فتبيّن الغيظ في وجهها . فضحك وقال : أراك مغيظة ؟ فقالت : يا مولاي ، آثرت بمثل هؤلاء ، المتعذّر وجدانهنّ ، غلمانك على نفسك ! فقال لها : يا ويحك ! قد ارتفعت رغبتي في النكاح وما شابهه ، وصارت رغبتي الآن في حراسة دولتي . وغرضي [ 94 ب ] ورأيي ضبط نعمتي « 1 » . ومن اضطرّ إلى من يظافره على أمره سلك هذا المسلك وآثر هذا الإيثار . وهؤلاء الغلمان هم عدّتي ، وينسبون إليّ انتساب الأبناء إلى الآباء ، وشهواتهم مقصورة على الأكل والشرب والنكاح . فأنا أؤثرهم بما يحبّون وأرتفع عنه ، كما أنّهم يؤثرو [ ن ] ني في أوقات المضايق على نفوسهم فيبذلون دوني مهجهم . فقالت : وفّق اللّه الأمير ! فقال لها : اعلمي أنني أجد في فهم الرجل عنّي وإفهامه إيّاي من الالتذاذ أكثر ممّا يجد مجامع
هامش
( 1 ) قراءة ظنّيّة .