تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
الحسناء من لذّة جماعها ، وحسبك ! فدعت له وانصرفت . وقال مرّة : أنا أرى أن أدفع بمالي عن رجالي ، وبرجالي عن نفسي . وما في الأرض أبغض إليّ ممّن يزيد ماله على فعاله ، وحالته على كفايته . واستكتب كاتبا فقال له : إنّي جعلتك صاحب خبر على لفظي ، فانظر كلّ ما يجري بيني وبين من يخاطبني من الناس من صغير وكبير ، فاكتب خطابه وجوابي له واعرضه عليّ ! - وكان يراعي ذلك أشدّ مراعاة . وقال أبو جعفر ابن عبدكان : كنّا ننشئ الكتب إلى السلطان وغيره وإلى العمّال ، فيرد في الأجوبة غير ما صدرت به الكتب إليهم . فذكرت له ذلك ، فضحك وقال : هذه أجوبة عن أشياء أضمّنها أنا في الكتب ولا أطلعكم عليها . ولم يكن كتّابه يختمو [ ن ] كتابا ولا يحرّرو [ ن ] نسخة حتى تعرض عليه ، فإن ارتضاه أمضاه ، وإلّا أمر بإصلاحه .

[ حذره من الجواسيس ] :

ونظر مرّة شيخا في جملة من ينظر إليه وهو راكب في جيشه . فأمر بالقبض عليه [ وإحضاره ] وما زال به حتّى اعترف أنّه صاحب خبر عليه من الموفّق ، وأنّ معه كتب الموفّق إلى القوّاد وغيرهم . فسئل عن ذلك فقال : رأيت هذا الرجل في وسط الناس ، وهو مشغول بالنظر إليّ والتأمّل فيّ ، لا يطرف عنّي ، فارتبت به ، وكان كما ظننت . ورأى يوما رجلا في جملة من دخل للسلام ، فأمر بعقابه وقال : اصدقني ويلك ! من أرسلك ؟ - فاعترف أنّه صاحب خبر للموفّق . فأمر به إلى المطبق . وسئل عن معرفة ذلك ، فقال : رأيت هذا البارحة في النوم وكأنه يروم الدخول إليّ ، فمنع من ذلك فتسلّق من طاق في مجلسي ليرى ما أعمل . فكانت عبارة رؤياي تدلّ على أنّه صاحب خبر لتسلّقه عليّ وتجسّسه ، فصحّ فيه ما قدّرته . ورأى مرّة وهو في مستشرف له على بعض بساتينه سائلا في ثوب خلق وحال سيّئة ، وهو جالس يتأمّل المستشرف . فأحضر رغيفا أزيد من رطلين وجعل فيه دجاجة وفرخا وفرّوجا « 1 » وشواء وقطع لحم وفالوذجا ، وغطّاه برغيف آخر مثله وعمل فوقه لوذنجا وغطّاه برقاقتين ، وبعث به إلى السائل ، وجعل يتأمّل ما يكون منه . فما هو إلّا أن أخذ ذلك [ حتى ] أمر بإحضاره واستنطقه فأحسن الجواب ولم يضطرب . فقال : أين الكتب التي معك ؟ هاتها ، واصدقني صدقا ينجيك من العقوبة بالسياط . فاعترف أنّه صاحب خبر وأنّ معه كتبا ، ولم يوصلها لتدّبر أمره . ثمّ قال [ أحمد ] : رأيت هذا الرجل على ما هو عليه من سوء الحال ، فأشفقت عليه وأردت أن أسرّه بما أنفذت إليه ممّا يسرّ به الشّبعان ، فكيف الجائع ؟ فما هشّ له ولا مدّ يدا إليه ، ولا رأيت منه حسن القبول له . فنفر قلبي منه وقلت : هذا رجل عينه ملأى وفي غنى عن هذا وهو جاسوس . فأحضرته ، وكان ما رأيتموه من صحّة كلامه وجودة أجوبته ، فزاد إنكاري لأمره من جهة قوّة قلبه واجتماع لبّه ، وأنّه ليس عليه من شواهد الفقر ما يدلّ على جوعه . وكان من عادته أن يركب سحرا في نفر من أصحابه ويجتاز بمواضع شعثة ليطالع جنايات أهل الشّر في الليل ، فمن ظفر به منهم ضرب عنقه .
هامش
( 1 ) الفرّوج : فرخ الدجاجة . والفرخ : ولد الطائر عامّة .