تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
فمه ورأسه حتى نام ، والساعي يكتب كلّ ما سمعه من كلمة صدرت عنه . ثمّ بكّر بالغداة إلى أحمد بن طولون ووضع الورقة بين يديه . فلمّا قرأها ضحك ساعة وتغيّظ أخرى . وأمسك حتى دخل إليه ، فلمّا حاول القيام مع نظرائه قال له : اجلس ! - فلمّا لم يبق أحد قال له : أسأت إليك ؟ قال : لا واللّه يا مولاي . قال : ألم أوال أرزاقك وأدرّ إحساني إليك ؟ قال : نعم يا سيّدي . قال : فإيش هذا الذي تقوله على النبيذ ؟ قلت البارحة كذا وكذا ، وما زالت جاريتك تسكتك وما تسكت . - وتلا عليه ما كان في الرقعة . فرفع التركيّ رأسه إلى السماء وقال : يا ربّ ، قدّمته علينا في المرتبة ، وجعلت أرزاقنا تحت يده ، فرضينا . فإيش كان هذا الكلام تفضّحت له به ؟ فضحك أحمد بن طولون على شدّة وقاره ضحكا استحيى منه . ثمّ أخرجه إلى طرسوس .

[ حنكته العسكرية ] :

ولمّا شخص إلى طرسوس في سنة خمس وستّين ومائتين ، ونابذه أهلها ، ركب في أصحابه وقال لهم : لا تنابذوهم ، وانهزموا عنهم ! ففعلوا . وقال له بعض قوّاده : إنّك كسرت قلوبنا عن منابذتهم ، وليس بنا ضعف ؟ فقال له : ويحك ! إنّه لم يخف عن متملّك الروم العدّة التي دخلت فيها طرسوس ، وما هي عليه من القوّة والنجدة . فأحببت أن يستقرّ عنده أنّنا نضعف عنهم ولا نقاومهم بما أظهرته من توقّفكم عنهم . وعزّهم فهو للّه ، وعزّكم فهو لي ، وأنا أحرى به . واتّفق له لمّا كان بطرسوس أنّه اجتمع فيها برجل كان يعرفه قديما ، ممّن خرج عن نعمته فصار يعمل الحزم ويقتات منها ويرابط . فقال له : ما الذي أنكرت من ربّك حتى شردت عنه هذا الشرود ؟ واعلم أنّك مع تباعدك عنه لم تخرج عن قبضته . فارحم نفسك من [ 93 ب ] تحميلها ما لا تحتمل ، فإنّ جدّه عزّ وجل يمحّص هزلك ، وأدلّته تحيل خدعك . ولا تستكثر من هذه الدنيا ما لا يخفّ حمله معك إذا دعاك . واعلم أنّك مردود إلى اللّه عزّ وجلّ بعملك وحده ، وأنّ ما غادرته متخلّف عنك - وأحمد بن طولون لا يزيد على البكاء . ثمّ التفت الرجل وقال لرجل كان مع أحمد : [ أ ] ما ترى الناس كيف يتضوّرون تحت الأقدار العلويّة ؟ ثمّ رفع يده إلى السماء وقال : اللهمّ ، انصره ورشّده وارحمه من سخطك عليه ! انصرف في حفظ اللّه وكلاءته ، فإنّني أخاف أن تغريني بحبّ الدنيا وطاعة الشهوات . فلست أنساك عند ذكري لك إن شاء اللّه . وكان مع أحمد كاتب السرّ فكتب كلّ ما نطق به الزاهد . وكان أحمد بن طولون إذا أراد إنفاذ أحد في رسالة أمر كاتب السرّ بتحرير تلك الرسالة . فإذا حضر الرسول ليودّعه قال له : ما الذي تقول لمن وجّهت [ ك ] إليه ؟ فإذا أدّاها كما تحرّر أنفذه ، وإن قصّر عنها حبسه واستبدل غيره . وكان أكثر مبيته في قبّة الهواء وحده بغير حرمه . فيمضي الليل وهو جالس يفكّر . فقال له نسيم الخادم : إنّ سيدي الأمير لا ينام إلّا قريبا من الفجر ، وبدنه يحتاج إلى أكثر من هذا النوم . فقال له : ويحك ! إني حملت أهل هذا البلد