تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
السنجاريّ بعث إليه الأمير علاء الدين كشتغدي الشمسيّ الأستادار بخلع الوزارة إلى بيته بقلعة الجبل . فامتنع امتناعا شديدا وبكى واستقال ، فلم يسمع له وألبسه الخلع في يوم الاثنين ثاني شوّال سنة ثمان وسبعين وستّمائة . فباشر الوزارة مباشرة حسنة من غير ظلم ، وأحسن إلى الرعيّة إلى أن صرف عنها في آخر جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين بالصاحب برهان الدين السنجاريّ . فأخذ دواته ودخل إلى ديوان الإنشاء وكتب من جملة كتّابه ، وتصرّف عن أمر القاضي فتح الدين ابن عبد الظاهر [ 52 أ ] صاحب الديوان . وقال عندما انفصل من الوزارة : جاءت فما كبرت وراحت فما أثرت . ولم يزل بمصر إلى أن مات بها في يوم الخميس ثالث عشرين جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وستّمائة ، ودفن بالقرافة . وكان رئيسا فاضلا معظّما عاقلا حسن الأخلاق ، سمع الحديث من أبي محمد ابن رواج ، وأبي الفضل ابن الجبّاب « 1 » وغيرهما . وكتب عنه الشعر . ومن لطيف الماجريات أنّ تاج الدين ابن الأثير كان هو وابن لقمان هذا صحبة السلطان على تلّ العجول ، ومع فخر الدين ابن لقمان مملوك اسمه الطنبا فناداه قال : « يا الطنبا ! » قال : « نعم » ولم يأته . فكرّر نداءه وهو يقول : نعم ، ولا يأتيه . وكانت ليلة مظلمة فأخرج رأسه من الخيمة وقال : تقول نعم ، ولا أراك ؟ فقال ابن الأثير [ البسيط ] :
في ليلة من جمادى ذات أندية * لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا « 2 »
فحسن الاستشهاد بهذا البيت في هذه الواقعة ، فإنّه من جملة أبيات في الحماسة لمرّة بن محكان ، ويحتاج إلى إظهار اللام في « الطنبا » لينزل عليه الاسم ، وهو جائز في الاهتدام « 3 » . وخرجت مرّة مسوّدة لابن لقمان من صاحب الديوان على العادة بكتابه إلى ملك الفرنج ، من جملة ما فيها من نعوته : معزّ بابا روميّة ، بعين مهملة وزاي ، من العزّ ، وبباءين موحدتين ، فإنّ عظيم النصرانيّة بمدينة رومية يقال له « بابا » . فكتب الكتاب وكتب « مقر البانا » بقاف بدل العين ، وراء بدل الزاي ونون بدل الباء الثانية . فأنكر عليه ذلك ونبّه على الصواب فقال : يا مولاي ، هذه أعرفها من زهر الآداب ، ومن قلائد العقيان ومن أدب الكاتب ، وما أنا ترجمان الإفرنج - فاستحسن منه ذلك . ومن شعره في غلامه غلمش [ الخفيف ] :
لو وشى فيه من وشى * ما تسلّيت غلمشا أنا قد بحت باسمه * يفعل اللّه ما يشا
وقال الكامل ] :
كن كيف شئت فإنّني بك مغرم * راض بما فعل الهوى المتحكّم ولئن كتمت عن الوشاة صبابتي * بك فالجوانح بالهوى تتكلّم أشتاق من أهوى وأعلم أنّني * أشتاق من هو في الفؤاد مخيّم
هامش
- شرح السلطاني 3 / 256 ) . ( 1 ) أبو الفضل ابن الجبّاب : أحمد بن محمد بن عبد العزيز ( ت 648 ) . أعلام النبلاء 23 / 234 ( 154 ) . ( 2 ) البيت لمرّة بن محكان التميميّ ؛ انظر شرح التبريزي للحماسة 4 / 60 - وشرح المرزوقي 4 / 1562 ( 675 ) . والبيت من شواهد الأشموني رقم 1150 ص 656 ( وانظر - ( 3 ) عرّف ابن رشيق ( العمدة 2 / 282 ) الاهتدام بأنّه « السرقة فيما دون البيت » ، والاستشهاد هنا تضمين للبيت كاملا . وقد نقل المقريزي تعليق الصفدي الذي قال : « ولكنّه يحتاج إلى إظهار اللام لينزل على الاسم » وهو جائز إلخ .