ذلك اليوم قال الرشيد من شدّة وجده عليه : أقلعوا الفرش ! - فقلعت . وجلس الناس معه على الحصر والبواري ، ثمّ أمر بغسله وكفنه . فجاء ابن بهلة فرام الوصول فلم يصل إليه لكثرة الناس فصاح : يا أمير المؤمنين ، أنا رجل مسلم ، وأنا باللّه ثمّ بك ! أنت الإمام ، وقد حلفت بطلاق نسائي ، وعتق عبيدي ، وصدقة مالي بين يديك ، ولست آمن أن تنصرف الجنازة فتطلّق عليّ نسائي ، وتعتق عليّ عبيدي ، وتخلعني [ 36 ب ] من مالي . فاللّه ! اللّه ! امنن عليّ بنظرة في الميّت !
فقال الرشيد : هذا كذّاب !
فقال بعض جلسائه : وما يضرّ يا أمير المؤمنين أن لو أمر به فنظر إلى الميّت فيقول : قد حدثت علّة غير تلك ، يصرف بها عنه ما حلف عليه ، فيقلّده أمير المؤمنين ما يقلّده من ذلك ، ولا ينزل به ذهاب أهله وعبيده وماله .
فلم يزل يرفق به حتّى أذن له . فدخل فقال : يا أمير المؤمنين ، امنن عليّ بأن يؤذن لغلامي فلان يكون معي !
فقال : ادعوه له !
فدعي له غلامه . ثمّ دخل ودخل معه بعض خدّام الرشيد وقد فرغ من غسل إبراهيم بن صالح وقد كفّن ، وهو مدرج في أكفانه . فلمّا نظر إليه قال : احتالوا لي في ناب دونه « 1 » - يعني الإبرة الكبيرة قليلا - فأتي بها فحلّ عن رجليه ، ثمّ أدخل الإبرة بين ظفر إبهام رجله اليمنى وبين اللحم ، فقبضها الميت ، فقال : اللّه أكبر ! لم يمت ! .
ثم قال لغلامه : اذهب فائتني بكذا وكذا - بشيء من العقاقير يعرفها في منزله . وجرى الخادم إلى هارون بأنّ إبراهيم لم يمت ، فدخل مبادرا ، فقال :
يا أمير المؤمنين ، لو كان ميّتا لم تؤلمه الإبرة ولم يقبض رجله .
فشهد له كلّ من حضر أنّه رآه قبض رجله ، فقال له هارون : يا ابن بهلة ، لك كذا وكذا .
فقال : مر بتنحية كلّ ما ههنا من آثار الموتى فنحّي . ثمّ أمر بثياب مقطوعة فأتي بها . ثمّ أمر بالجصّ فبيّض كلّ ما سوّد من جدرانه ، ثم أمر جواريه أن ينزعن كلّ ما علق به شيء من السواد ، وأن يلبسن جيّد ثيابهنّ وأن يصلحن أنفسهنّ .
وقال : إن فتح عينه ورأى شيئا ممّا يعمل بعد الموت ، خرجت نفسه .
فأمر الرشيد بذلك كلّه فأصلح . ودخل بغلامه حين جاءه بذلك الذي أمره ، فأدناه إلى أنفه فما لبث إلّا يسيرا حتّى حرّك رأسه ، فقال الرشيد : يا ابن بهلة ، يا سيّدي ! - وفرح .
فقال : مهلا يا أمير المؤمنين !
ثمّ عاد وشمّ [ م ] ه ذلك العقار فعطس وفتح عينيه ، فقال ابن بهلة : يا أمير المؤمنين ، أدخل على قلبه شيئا تسرّه به .
فقال الرشيد : قد ولّيتك مصر ما دامت بك حياة .
فقال : وصلك رحيم يا أمير المؤمنين !
ثمّ صحّ من تلك العلّة ، وخرج إلى مصر ، ومات بها .
172 - ابن السّماذ الأندلسيّ [ - 547 ] « 2 »
إبراهيم بن صالح ، أبو إسحاق ، الأندلسيّ ، من أهل المريّة يعرف بابن السّماذ .
أخذ القراءة عن أبي الحسن بن شفيع ، وأبي
هامش
( 1 ) لم نفهم دونة .
( 2 ) ابن الأبار : معجم أصحاب أبي علي الصدفيّ 65 ( 51 ) .