وقد ذكر القاضي أبو بكر اليافعي قصة الغيل في مدحه لابنه منصور لما مدحه وجعل من جملة مدحه مدح أبيه ونبه على فعله في الغيل ، قال الجندي : وكنت أتشكك فيمن أجرى الغيل حتى وجدته في شعر القاضي أبي بكر اليافعي الآتي ذكره إن شاء اللّه تعالى ، وسأذكر طرفا من ذلك إن شاء اللّه تعالى عند ذكر القاضي أبي بكر أيضا ، ومما قاله في الغيل عند ذكر المفضل قوله :
وأقل مكرمة له وفضيلة * إجراؤه للغيل في الأجناد
شق الجبال الشامخات فأصبحت * وكأنما كانت تراب وهاد
وفي قوله شق الجبال الشامخات دليل على صحة ما ذكرناه .
ثم لم يزل كارها للفقهاء ويعلم أنهم يستحلون دمه ويكرهون مذهبه مع ما عمل بهم منذ وليّ التعكر ، وكانت السيدة قد انقبضت عن المفضل وذلك أنها كانت تطلع التعكر أيام الصيف وتقف فيه فإذا جاء الشتاء نزلت إلى ذي جبلة ، وكانت ذخائرها وذخائر الصليحي وما يعز عليهم من الأموال والتحف موضوعة فيه ، فيروى أن المفضل قال لها يوما : يا مولاتنا انظري ما كان لك في هذا الحصن فانقليه فإني لا أحب أن يكون لأحد عليّ فيه طاعة ، فقالت له : لا بأس عليك أنت رجل البيت ولا نكلفك ما يسوؤك ، ثم لما نزلت من الحصن لم تعد إليه حتى ماتت .
ولم يتغير المفضل عما كان يعهده منها من الصلات والإرسال له في مهام الأمور وعلى من يغلب عليها ، حتى وصلها بعد ملوك الحبشة يستنصر بها على بعض أهله في زبيد ويبذل لها مبلغا المال ، فبعثت معه المفضل فسار معهم ونصرهم ، فلمّا صار بعسكره في زبيد همّ أن يغدر ويأخذها عليهم وجعل يؤامر نفسه في ذلك ، فبينا هو كذلك إذ وصله العلم بأخذ التعكر ، فخرج من زبيد لا يلوي على شيء حتى طلع عزان التعكر وصار محاصرا للتعكر ، وكان الذي