وكان معظما في زمانه ، ورعا ، زاهدا ، متترها عما في أيدي الملوك ، وكان يكره الأمراء ويحذر صحبتهم ، ولا يرى بجواز الصلاة خلفهم ، ولا يقبل لهم عطاء ، ولا يشرب من المياه التي أحدثها الملوك بمكة وطرقاتها ، حتى إن بغلته يوما أهوت برأسها لتشرب من بعضها فمنعها وكبحها باللجام .
وقد أورد الغزالي في الإحياء والرازي قضية عجيبة مع هشام بن عبد الملك يغني شهرتها عن ذكرها « 1 » .
وقعد إليه أيوب « 2 » بن سليمان بن عبد الملك وأبوه يومئذ خليفة ، فلم يحتفل به بل قام من عنده نافرا عنه ، فقيل له : جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه ، فقال : أردت أعلمه إن للّه عبادا يزهدون فيه وفي أبيه ، وفيما بأيدهم .
وقال في صفة الصفوة « 3 » : دخل طاوس ووهب على محمد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف وهو إذ ذاك أمير أمير المؤمنين ، فأجل طاووسا وبجله وأقعده على كرسي ، ثم قال :
يا غلام هلم الطيلسان « 4 » فالقه على أبي عبد الرحمن ، فجابه وألقاه عليه فجعل يحرك كتفه حتى ألقاه ، فتبين الغضب في وجه الأمير ، ثم خرجا ، ثم أمر له الأمير محمد بن يوسف بشيء من المال ، وقال للرسول : إن أخذه منك فلك مني كذا ، فلما وصل الرسول إليه بالمال قال له : يا أبا عبد الرحمن إن الأمير قد وصلك بمال وخصك بأن جعله من وجه حلال ، فقال : لا حاجة لي به
هامش
( 1 ) للوقوف على تفاصيل هذه القصة انظر الرازي ، تاريخ مدينة صنعاء ، ص 362 .
( 2 ) أيوب بن سليمان بن عبد الملك بن مروان ، ولي غزو الصائفة ، ورشحه أبوه لولاية العهد ، فمات قبل أبيه بأيام ، في سنة 98 ه . انظر . الصفدي ، الوافي بالوفيات 10 / 29 .
( 3 ) ابن الجوزي 1 / 452 .
( 4 ) الطّيلسان : كلمة فارسية معربة ، وأصلها في الفارسية : تالشان . وهو كساء مدور أخضر لا أسفل له ، لحمته أو سداه من الصوف يلبسه الخواص من العلماء والمشايخ . انظر . رجب عبد الجواد ، المعجم العربي ، ص 306 .