يا فقيه بلغني أنك كثير التفريط في يديك بغير وجه لائق ، وأظنك تريد الاقتداء بنا ولا ينبغي لك ذلك ؛ فان محصولنا كثير من غير كلفة ، فيسهل علينا خروجه كما يسهل [ علينا ] « 1 » دخوله . وأنت رجل فقيه دخلك قليل حلال كسائر الفقهاء ، وما خرج عليك لا يكاد يحصل لك عوضه إلا بمشقة وندور ، ثم وبخه على فعله ، ولامه على تفريط ماله ، والفقيه ساكت . ثم قال له الأمير : أحب أن تعاهدني أنك لا تعود إلى شيء من ذلك . فقال الفقيه : أحب أن أرجع إلى بيتي ، وأستخير اللّه تعالى في هذه الليلة ، ثم أتيك غدا بما قويت عليه نفسي إن شاء اللّه تعالى . فقال له الأمير : لا بأس . فلما رجع الفقيه إلى منزله في الملحمة ، صلّى في الليل صلاة الاستخارة ، ثم نام ، فرأى قائلا يقول في النوم : يا فقيه أحمد ، أنفق فأنت ممن وقي شح نفسه . فعزم على البقاء على حاله ، ثم لما أصبح غدا إلى الأمير ، فقال له الأمير : ما فعلت في الأمر الذي عزمت عليه والاستخارة فيه ؟ قال : عزمت على البقاء على ما كنت عليه . فقال له الأمير : كنت رأيتك أمس حين كلمتك فيه قد قربت إلى قولي . فقال : حصل عذر يوجب الإعراض عن ذلك المعنى الذي أشار إليه الأمير . فلم يعذره الأمير عن السبب الموجب لذلك ، فأخبره بالمنام ، وقال : قد عزمت على البقاء على حالي . فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : " الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " « 2 » . فبكى الأمير ، وقال :
فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ
« 3 » . وكانت وفاته في قريته في سنة ثلاث وسبعين وست مائة ، رحمه اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) زيادة من ب .
( 2 ) حديث صحيح رواه البخاري ولفظه : عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : " الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النّبوة " . كتاب التعبير ، 8 / 89 ، حديث رقم : 6989 .
( 3 ) سورة الانفطار آية 8 .