وقال : كان في جامع بغداد فقير لم يجتمع له ثوبان قط ، في شتاء ولا صيف . فسئل عن ذلك ، فقال : إني كنت ولعا بكثرة الثياب ، فرأيت في منامي كأني في الجنة ، وإذا بفقراء على مائدة ، فأردت أن أجلس معهم ، فإذا جماعة من الملائكة أخذوا بيدي ، فأقامونى وقالوا : هؤلاء أصحاب قميص واحد . وأنت لك قميصان ، فلا تجلس معهم . فانتبهت ونذرت ألا ألبس غير ثوب واحد إلى أن ألقى اللّه .
وأنشد :
قف بالديار فهذه آثارهم * تبكى الأحبة حسرة وتشوقا
كم قد وقفت أسائل مخبرا * عن أهلها أو صادقا أو مشفقا
فأجابني داعى الهوى في رسمها * فارقت من تهوى فعز الملتقى « 6 »
وقال : الصبر ألا تفرق بين حالتي النعمة والمحنة ، مع سكون الخاطر فيهما .
والتصبر هو السكون في البلاء مع وجدان أثقال المحنة .
وأنشد لبعضهم في المعنى :
صبرت ولم أطلع هواك على صبري * وأخفيت ما بي منك عن موضع لصدر
مخافة أن يشكو ضميري صبابتى * إلى دمعتى سرا فتجرى ولا أدرى
ومن أصحابه : أبو عبد اللّه ، وأبو القاسم ، ابنا أحمد بن محمد المقرئ .
وصحبا غيره أيضا .
هامش
( 6 ) قال أبو نعيم في الحلية ( 10 / 371 ) : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا بكر محمد بن عبد اللّه الطبري ، يقول : قال رجل لأبى محمد الجريري : كنت على بساط الأنس ففتح لي الطريق إلى البسط فزللت زلة فحجبت عن مقامي فكيف السبيل إليه ؟ دلني على الوصول إلى ما كنت عليه . فبكى أبو محمد وقال : يا أخي الكل في قهر هذه الخطة ، لكن أنشدك أبياتا لبعضهم ، فأنشأ يقول : فذكر هذه الأبيات . وهكذا ذكرها الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ( 5 / 199 ) .