وسئل : لم صير الموقف بالحل دون الحرم ؟ . فقال : لأن الكعبة بيت اللّه ، والحرم حجابه ، والمشعر الحرام بابه . فلما أن وصل الوافدون أوقفهم بالحجاب الثاني ، وهو مزدلفة ، فلما نظر إلى تضرعهم أمرهم بتقريب قربانهم ؛ فلما قربوه ، وقضوا تفثهم ، وتطهروا من ذنوبهم التي كانت لهم حجابا من دونه ، أمرهم بالزيارة على الطهارة .
وإنما كره صيام التشريق ؛ لأن القوم زوار اللّه ، وهم في ضيافته ، ولا ينبغي لضيف أن يصوم عند من أضافه إلا بإذنه « 9 » .
وقال إسحاق بن إبراهيم السرخسي : سمعت ذا النون - وفي يده الغل ، وفي رجليه القيد - وهو يساق إلى المطبق والناس يبكون حوله ، وهو يقول :
هذا من مواهب اللّه ومن عطاياه ، وكل عذب حسن طيب . ثم أنشأ يقول :
لك من قلبي المكان المصون * كل لوم على فيك يهون
لك عزم بأن أكون قتيلا * فالصبر عنك ما لا يكون
ولما مرض مرضه الذي مات فيه ، قيل له : ما تشتهى ؟ ! قال : أن أعرفه قبل موتى بلحظة ! .
وقيل له عند النزع : أوصنا ! فقال : لا تشغلونى ! فإني متعجب من سر لطفه ! .
قال فتح بن شخرف : دخلت عليه عند موته ، فقلت له : كيف تجدك ؟
فقال :
أموت وما ماتت إليك صبابتى * ولا قضيت من صدق حبك أوطارى
مناي المنى كل المنى أنت لي منى * وأنت الغنى كل الغنى عند إفقارى « 10 »
هامش
( 9 ) ذكره أبو نعيم في الحلية ( 9 / 382 ) .
( 10 ) في الحلية : « إقصارى » . وفي طبقات السلمى : « إقتارى » .