دائم وسرور منقطع ، وأوجاع متصلة ؛ لا يعرفها إلا من باشرها . وأنشد :
يقاسى المقاسى شجوه دون غيره * وكل بلاء عند لاقيه أوجع
وقال الجنيد : وافى أبو حمزة من مكة ، وعليه وعثاء السفر ، فسلمت عليه وشهيته ، فقال : سكباج وعصيدة تخلينى بهما ؛ فهيأتهما له ، وأدخلته الدار ، وأسبلت الستر ، فدخل وأكله أجمع ؛ فلما فرغ قال : يا أبا القاسم ! لا تعجب ! فهذا - من مكة - الأكلة الثالثة .
وأما حكاية وقوعه في البئر ، وإخراج السبع له فمشهورة « 59 » .
وهتف به هاتف : يا أبا حمزة ! نجيناك من التلف بالتلف ! فقال « 60 » :
أهابك أن أبدى إليك الذي أخفى * وسرى يبدي من يقول له طرفي « 61 »
نهاني حيائى منك أن أكتم « 62 » الهوى * فأغنيتنى « 63 » بالفهم منك عن الكشف
تلطفت في أمرى وأبديت شاهدي * إلى غائبى واللطف يدرك باللطف « 64 »
هامش
( 59 ) قال الخطيب في تاريخ بغداد ( 1 / 408 ) أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال : نبأنا أحمد بن محمد بن مقسم ، قال : حدثني أبو بدر الخياط الصوفي قال : سمعت أبا حمزة يقول :
سافرت على التوكل ، فبينما أنا أسير ذات ليلة والنوم في عيني ، إذ وقعت في بئر فرأيتني قد حصلت فيها ، فلم أقدر على الخروج لبعد مرتقاها ، فجلست فيها فبينما أنا جالس إذ وقف على رأسها رجلان ، فقال أحدهما لصاحبه : نجوز ونترك هذه في طريق السابلة والمارة ؟ فقال الآخر : فما نصنع ؟ قال : نطمها . قال فبدرت نفسي أن تقول : أنا فيها ، فنوديت : تتوكل علينا ، وتشكو بلانا إلى سوانا ؟ فسكت . فمضيا ثم رجعا ومعهما شيء جعلاه على رأسها غطوها به . فقالت لي نفسي : أمنت طمها ولكن حصلت مسجونا فيها ، فمكثت يومى وليلتي فلما كان الغد ناداني شيء - يهتف بي ولا أراه - تمسك بي شديدا ، فمددت يدي فوقعت على شيء خشن فتمسكت به ، فعلاها وطرحنى ، فتأملت فوق الأرض فإذا هو سبع ؛ فلما رأيته لحق نفسي من ذلك ما يلحق من مثله ، فهتف بي هاتف : يا أبا حمزة استنقذناك من البلاء بالبلاء ، وكفيناك ما تخاف بما تخاف .
( 60 ) انظر الخبر في تاريخ بغداد ( 1 / 408 ) .
( 61 ) هذا البيت لم يذكره في تاريخ بغداد .
( 62 ) في تاريخ بغداد : « أكشف » .
( 63 ) في تاريخ بغداد : « وأغنيتنى » .
( 64 ) هذا البيت لم يذكره في تاريخ بغداد .