قال السّمعاني « 35 » : هو أحد المتقنين لمذهب الشّافعي ، وله اطّلاع على أسرار الفقه ، وكان ورعا زاهدا متبتّلا ، جرت أحكامه على السّداد .
وذكر غير واحد أنّه لمّا شغر منصب القضاء ببغداد لموت أبي علي الدّامغاني طلب من صاحبنا هذا أن يتولّى المنصب فامتنع ، فألحّوا عليه ، فاشترط عليهم أن لا يأخذ معلوما ، وأن لا يقبل من أحد شفاعة ، وأن لا يغيّر ملبسه ، فأجابوه ، فأجابهم إلى ذلك ، وكان يقول : ما دخلت في القضاء حتّى وجب عليّ ، فباشر الحكم مباشرة جيّدة عفيفة بصيانة وديانة ووفاء ، وكان ينكر عليه كثرة تعبّسه في مجلس الحكم ، وبعضهم يعدّ ذلك من محاسنه ، بحيث قيل : إنّه لم يبتسم قطّ في المجلس .
وقال السّمعاني : سمعت الفقيه أحمد بن عبد اللّه الآبنوسي يقول : جاء أمير إلى قاضي القضاة الشّامي فادّعى شيئا ، وقال : بيّنتي فلان والمشطّب الفرغاني الفقيه ، فقال : لا أقبل شهادة المشطّب ، لأنّه يلبس الحرير ، فقال : السّلطان ملكشاه ووزيره نظام الملك يلبسانه ، فقال : ولو شهدا عندي ما قبلت شهادتهما أيضا .
وذكر السّمعاني : أنّ أمير المؤمنين المقتدي باللّه تغيّر عليه ، ومنع الشّهود من حضور مجلسه مدّة فكان يقول : ما أنعزل ما لم تتحقّقوا عليّ الفسق ، ثمّ إنّ الخليفة خلع عليه واستقام أمره .
وذكر ابن النّجار أنّه كان يسوّي بين الشّريف والوضيع في الحكم ، ويقيم جاه الشّرع ، فكان هذا سبب انقلاب الأكابر عنه ، فألصقوا به ما كان منه بريئا من أحاديث ملفّقة ، ومعائب مزوّرة .
قال : وصنّف « 36 » كتاب البيان في أصول الدّين ؛ وكان على طريقة السّلف ورعا نزيها .
وقال أبو علي بن سكّرة : كان ورعا زاهدا ، وأمّا في العلم فكان يقال : لو رفع مذهب الشّافعي أمكنه أن يمليه من صدره .
هامش
( 35 ) الأنساب 4 / 299 .
( 36 ) هديّة 2 / 76 .