المتقدّمين قبله مثله على كثرة ما صنّفوا في ذلك ؛ ومنها : كتاب الاكتفاء في قراءة نافع وأبي عمرو ، ومنها : كتاب بهجة المجالس وأنس المجالس ، نوادر وأبيات ؛ ومنها : كتاب جامع بيان العلم وفضله .
وقال القاضي أبو الوليد الباجي : لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر بن عبد البرّ في الحديث ، وقال أيضا : هو أحفظ أهل المغرب .
وقال الحافظ أبو علي الغسّاني : كان أبو عمر من النّمر بن قاسط ، طلب وتفقّه ، ولزم أبا عمر أحمد بن عبد الملك الإشبيلي الفقيه وكتب بين يديه ، ولزم ابن الفرضي وعنه أخذ كثيرا من علم الحديث ، ودأب أبو عمر في طلب الحديث وأفتى به ، وبرع براعة فاق بها من تقدّمه من رجال الأندلس ؛ وكان مع تقدّمه في علم الأثر وتبصّره في الفقه والمعاني له بسطة كبيرة في علم النّسب والخبر .
قلت : آذوه وأخرجوه من بلده ، فتحوّل من بلد إلى بلد ، إلى أن مات بشاطبة ليلة الجمعة سلخ ربيع الآخر سنة ثلاث وستّين وأربعمائة ، عن خمس وتسعين سنة وخمسة أيّام .
يقال : إنّه ولي القضاء ببلدة هناك يقال لها أشبونة « 49 » مدّة ، رحمه اللّه وإيّانا .
ولا يشكّ اثنان من أهل العلم أنّه كان مالكيّ المذهب ، فرّع عليه وأصّل وشرح الموطّأ بالتّمهيد واختصره ، وإنّما حملنا على إيراده مع الشّافعيّة قول أبي عبد اللّه الحميدي : كان أبو عمر حافظا مكثرا عالما بالقراءات وبالخلاف وبعلوم الحديث والرّجال ، قديم السّماع ، لم يخرج من الأندلس ، وكان يميل في الفقه إلى أقوال الشّافعي .
قلت : من جملة ميله إلى مذهب الشّافعي تصنيفه في الجهر بالبسملة وانتصاره لذلك ، وهي من المسائل المشهورة في المذهب ، بل من أفراده ، وهي كالشّعار على أصحابنا من دون سائر الفقهاء .
هامش
( 49 ) أشبوية مدينة بالأندلس يتّصل عملها بأعمال شنترين قريبة من البحر غربي قرطبة ( معجم البلدان 5 / 16 ) .