ضريحه ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في العاشر من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وستين وسبعمائة .
وكان قد ورد مع أستاذه من مصر ، هو وناصر الدين الخزندار ، وضبطا بابه على أحسن ما يكون ، أما هذا ناصر الدين فكان أمره خارجا عن الحدّ ، وكان عنده خبرة ومعرفة وتنفيذ للمهمات ، وما يتعلّق بالدولة والمباشرات والوظائف وغيرها .
عرف خلق أستاذه ومشى عليه ، فلم يكن يجتمع على أحد في بيته إلا بأناس قلائل من الصوفية وغيرهم ، ولا يعرف أحد بابه ولا يقربه ، فإن كان له شغل اجتمع به في دار السعادة ، ولم يشبع أحدا منه كلاما ، وأنشأ جماعة من الأمراء والقضاة ، والكتّاب والدواوين ، والأجناد وغيرهم من سائر الطوائف ، ولم يأخذ على أحد من ذلك شيئا ، ولما غضب عليه أستاذه ضربه قدّامه بالمقارع ، وأخذ منه للسلطان ثمانية عشر ألف دينار ، وأخذ منه لنفسه مثلها وأكثر منها ، وباع موجوده وغالب أملاكه ، ومع ذلك لم يشك أحد عليه ، ولا قال أحد إنه أخذ منه درهما ، فما زاد عليه .
ولما أفرج عنه كان يلزمه بالركوب والنزول في أيام المواكب ، وكان يقول : قصدي بذلك حتى يرى مكانه ، وما كان فيه من العظمة أولا ، وكيف أصبح الآن ، ثم إنه جهّزه إلى القدس ، فأقام هناك مدّة ، ثم إنه أحضره إلى دمشق ، ولم يزل غضبانا عليه من سنة أربع وثلاثين إلى أواخر سنة أربعين وسبعمائة ، فأحضره ورضي عليه ، وخلع عليه ، وكان يركب معه في غير المواكب ، ويسايره ويحادثه ، ولم نر هذا الحال حصل لغيره ؛ لأنه ما غضب على أحد قطّ ورضي عنه ، وكان هذا الحال في حق الدّوادار مضرّا له ؛ لأن السلطان لما أمسك الأمير سيف الدين تنكز - رحمه اللّه تعالى - شمل غضبه كلّ من كان من جهته ، واستخدم كل من كان بطالا ، وقد غضب عليه ، فناله بهذا أذى ، وأراد السلطان أن يعطيه إمرة عشرة ، فلم يقبل ؛ خوفا من أستاذه .
وكان يتوجه في كل سنة مرتين ، أو ثلاثا على قدر ما يتفق له إلى باب السلطان في البريد ، فيعامله السلطان بالإكرام الزائد والتعظيم ، وكان بيده في حلقة الشام إقطاع يعمل أربعين ألف درهم ، وأربعة إقطاعات أو خمسة جياد بأيدي أولاده ومماليكه ، وكان له على أستاذه مرتب خبز ولحم وعليق ، ويعطيه وينعم عليه في كل قليل ، فأقام على هذا الحال من سنة اثنتي عشرة وسبعمائة إلى سنة أربع وثلاثين وسبعمائة ، وكل ماله في عظمة ووجاهة ، وكان إذا توجّه إلى مصر وعاد ، يتعذّر على الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري وأمثاله السّلام عليه في بيته ، بل يقفون له في الطريق ، إذا توجّه إلى دار السعادة ، ويسلّمون عليه .
وعلى الجملة ما رأيت أنا ولا غيري عظمة نالها هذا ناصر الدين في دواداريته لا من
أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 64
مساهمون: خليل الصفدي
ص٦٤