القضاة هناك ، وردّ عن المزي ، وأثنى عليه ، وغضب قاضي القضاة ، وأعاد المزي إلى الحبس بالقوصية ، فبقي أياما ، ثم أفرج عنه ، ونادى الأفرم في دمشق أنه ؛ أي من تكلّم في العقائد حلّ ماله ودمه .
وكنت قد كتبت أنا له توقيعا بمشيخة دار الحديث النورية ؛ عوضا عن الشيخ علم الدين البرزالي - رحمه اللّه تعالى - ، وذلك في المحرم سنة أربعين وسبعمائة ، ونسخته :
رسم بالأمر العالي ، لا زالت أوامره المطاعة تزيد العلم الشريف جمالا ، وتزينه بمن يفيده كمالا ، أن يرتّب المجلس السامي الشيخي الجمالي في كذا ؛ ثقة بأنه الثقة ، والعالم الذي لغيره المقت وله المقة ، والمحدّث الذي متى فاه بما عنده ، بادر كل أحد بالقبول وصدقه ، والحبر الذي إذا تكلّم نسخ كلام من تقدم بأقواله المحققة ، والحافظ الذي اجتحف سيله ابن نقطة فأغرقه ، والناقد الذي كدر على ابن معين صفوه ورنّقه ، والمصنّف الذي شيّب من ابن أبي شيبة مفرقه ، والمسند الذي لو عاصره عبد الرزاق « 1 » حرمه الرحلة إليه مما رزقه ، والمتأخر الذي لا يعرف بعد الدارقطني مثله ، وربما تقدّمه في فنّه المحرر وسبقه .
فليباشر ما فوّض إليه مباشرة يتضوّع من نشر السنة بها النشر ، ويكون للحديث الشريف حفظ يدوم إلى الحشر ، مجتهدا في البيان للطلبة ، والإعانة لهم على سلوك المعرفة فمحجّتها بالغموض منتقبة ؛ لأن تهذيب كماله ليس للبدر في تمامه كما له وأطرافه ، سار في الأطراف فما ينكره علماء الحديث ولا رجاله ، وإتقانه للأسماء إتقان تزأر في غابة أسوده وأشباله ، ومحلّه من الحفظ محل يعزّ على صاحب الاستيعاب مناله ، وإعرابه لو عاصره أبو البقاء لم يظفر بلبابه ، وتصريفه لو عاينه ابن جني ما دخل سوقه على تصنيفه الملوكي برفع حجابه ، ولغته لو سمعها ابن الأعرابي « 2 » ما نقل شيئا عن إعرابه .
ولينزّل الطلبة منزل البنين في الحنوّ عليهم عند الهفوة ، ولا يكن فيه قسوة المعلمين على من في ذهنه فترة ، ولم يكن من الفهم في الذروة ، وليجل عليهم حسن وجه الإقبال ، وإذا كان المؤمنون إخوة فيوسف أحسن الإخوة ، حتى يوضح لهم ما أبهم من الأسانيد المظلمة ، والأسماء التي هي لولا القرائن موهمة ، ولينبّه على الصحيح إذا ورد ، والحسن إذا أضاء وجهه لمن انتقد ، والضعيف إذا اعتلّ متنه ، ولم يصح له سند ، والموضوع الذي لا
هامش
( 1 ) عبد الرزاق هو : عبد الرزاق بن صنعاني ، المتوفى في سنة 211 ه . ( انظر : سير أعلام النبلاء : 9 / 563 ) .
( 2 ) ابن الأعرابي هو : محمد بن زياد ، المتوفى في سنة 231 ه . ( انظر : الكشف عن وجوه القراءات : 2 / 1980 ) .