تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
الدين ، ولم يستعر مني شيئا ، فأعاده إلا وقد نبّه فيه على نكتة كنت محتاجا إليها ، حتى في إجازة الشيخ فتح الدين بن سيد الناس لي ، وفيه قلت : ( السريع ) .
درت على أشياخ عصري فيا * فخري بما نلت ويا عزّي وذقت طعم الكلّ في علمهم * فلم أجد أحلى من المزّي
وسمعت « صحيح مسلم » على البندينجي ، وهو حاضر بقراءة ابن طغريل ، وعدة نسخ حاضرة صحيحة ، يقابل بها ، فيردّ الشيخ جمال الدين - رحمه اللّه - على ابن طغريل اللفظ ، فيقول ابن طغريل : ما في النسخة إلا ما قرأت ، فيقول من في يده بعض تلك النسخ الصحيحة ، هو عندي كما قال الشيخ ، أو هو مظفّر عليه ، أو مضبّب ، أو في الحاشية تصحيح ذلك ، ولما تكرر ذلك قلت أنا له : ما النسخة الصحيحة إلا أنت . وقرأت عليه من لفظي « ديوان خطب ابن نباتة » ، « والأربعين النووية » ، وسمعت عليه من الأجزاء كثيرا ، وسمع هو شيئا من شعري بدار الحديث ، وقرأت عليه كتاب « الشمائل للترمذي » بعد ما كتبته بخطي ، ولم أر في أشياخي بعد شيخنا أثير الدين في العربية مثله خصوصا في التصريف واللغة ؛ إلا أنه مع إتقانه لأسماء الرجال ، وله فيها هذا المصنّف العظيم لم يكن يعتني بتراجم العالم من الخلفاء ، والملوك والأمراء ، والوزراء والقضاة ، والعلماء والقرّاء ، والأطباء والأدباء والشعراء ، ولا له فيها مشاركة البتّة ، وإنما كان يعتني برجال الحديث لا غير ، ولقد سألته مرة عن القالي بالقاف ، والفالي بالفاء ، فقال : لا أعرف إلا الفالي بالفاء ، فعلمت أنه ليس له عناية بغير رواة الحديث ، وإلا فأبو علي القالي بالقاف مشهور بين صغار الأدباء ، ولكن عندي من الشيخ جمال الدين فوائد وقواعد في أسماء رجال الحديث ، لم آخذها إلا عنه ، ولا وجدتها في كتاب ، وكان أسماء الرجال الذين يجيء ذكرهم في سماعاته وطرقه ، يجيد الكلام في طبقاتهم وأحوالهم ، وقوّتهم وضعفهم ولينهم ، وكان في ذلك بحرا لا يشق ثبجه ، وعجاجا لا ينحط قتامه . ولما كان في سنة خمس وسبعمائة ، تكلّم الشافعية وغيرهم مع الشيخ تقي الدين بن تيمية ، وبحثوا معه في القصر الأبلق ، وبحث معه صفي الدين الهندي ، ثم كمال الدين بن الزملكاني ، وخرجوا وانفصلت القضية ، فلما كان بعد ذلك في يوم الاثنين الثاني عشر من شهر رجب الفرد قرأ الشيخ جمال الدين المزي فصلا في الردّ على الجهمية من كتاب أفعال العباد تصنيف البخاري ، وكانت قراءته لذلك تحت قبة النسر في المجلس المعقود لقراءة الصحيح ، فغضب لذلك بعض الفقهاء الحاضرين ، وقالوا : نحن المقصودون بهذا ، ورفعوا الأمر إلى قاضي القضاة الشافعي ، فطلبه وحبسه ، فبلغ ذلك الشيخ تقي الدين بن تيمية ، فتألّم لذلك ، وأخرجه من الحبس بنفسه ، وخرج إلى القصر الأبلق ، واجتمع هو وقاضي