تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
الناس عليه ، وصاروا أئمة وأشياخا في حياته ، وهو الذي جسّر الناس على مصنّفات ابن مالك - رحمه اللّه تعالى - ، ورغّبهم في قراءتها ، وشرح لهم غامضها ، وخاض بهم لججها ، وفتح لهم مقفلها ، وكان يقول عن مقدمة ابن الحاجب : هذه نحو الفقهاء . وكان التزم أن لا يقرئ أحدا إلا إن كان في كتاب سيبويه ، أو في التسهيل لابن مالك ، أو في تصانيفه ، ولما قدم من البلاد لازم الشيخ بهاء الدين - رحمه اللّه - كثيرا ، وأخذ عنه كتب الأدب . وكان شيخا حسن العمّة ، مليح الوجه ، ظاهر اللون ، مشربا حمرة ، منوّر الشيبة ، كبير اللحية ، مسترسل الشعر فيها ، لم تكن كثّة ، عبارته فصيحة ، بلغة الأندلس يعقد القاف قريبا من الكاف ، على أنه لا ينطق بها في القرآن إلا فصيحة ، وسمعته يقول : ما في هذه البلاد من يعقد حرف القاف . وكانت له خصوصية بالأمير سيف الدين أرغون كافل الممالك ، ينبسط معه ، ويبيت عنده في قلعة الجبل ، ولما توفيت ابنته نضار طلع إلى السلطان الملك الناصر محمّد ، وسأل منه أن يدفنها في بيته داخل القاهرة في البرقية ، فأذن له في ذلك سيأتي ذكرها - إن شاء اللّه تعالى - . وكان أولا يرى رأي الظاهرية ، ثم إنه تمذهب للشافعي رضي اللّه عنه بحث على الشيخ علم الدين العراقي المحرر للرافعي ، ومختصر المنهاج للنووي ، وحفظ المنهاج إلا يسيرا ، وقرأ أصول الفقه على أستاذه أبي جعفر بن الزبير ، بحث عليه من الإشارة للباجي ، ومن المستصفى للغزالي ، وعلى الخطيب أبي الحسن ابن فصيلة ، وعلى الشيخ علم الدين العراقي ، وعلى الشيخ شمس الدين الأصبهاني ، وعلى الشيخ علاء الدين الباجي ، وقرأ أشياء من أصول الدين على شيخه ابن الزبير ، وقرأ عليه شيئا من المنطق ، وقرأ شيئا من المنطق على بدر الدين محمّد بن سلطان البغدادي ، وقرأ عليه شيئا من الإرشاد للعميدي في الخلاف ، ولكنه برع في النحو ، وانتهت إليه الرئاسة والمشيخة فيه ، وكان خاليا من الفلسفة والاعتزال والتجسيم ، وكان أولا يعتقد في الشيخ ابن تيمية ، وامتدحه بقصيدة ، ثم إنه انحرف عنه ، لمّا وقف على كتاب العرش له . قال الفاضل كمال الدين الأدفوي : وجرى على مذهب كثير من النحويين في تعصّبه للإمام علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه التعصّب المتين ، قال : حكي لي أنه قال لقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة إن عليا رضي اللّه عنه عهد إليه النبي صلّى اللّه عليه وسلم « أن لا يحبك إلا مؤمن ، ولا يبغضك إلا منافق ، أتراه ما صدق في هذا ، فقال : صدق ، قال : فقلت له : فالذين سلّوا السيوف في وجهه يبغضونه ، أو يحبونه وغير ذلك » .
أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 204 | خليل الصفدي