تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
يقاوي من قاواه ، منقادا لأحداث دهره ، مرتادا لما يريده من خيره وشره ، ولذلك سلمت له العاقبة ، وأفادته الإنابة إلى اللّه والمراقبة ، ولكن جاء الغلاء المفرط في أيامه ، ونقص النيل زائدا عما عهد في قديم أعوامه ، فتشاءم الناس بطلعته ، ولم ينفق القدر له رديء سلعته ، وكان إذا رأى ذلك زاد بكاؤه ، وعظم ابتكاؤه ، وقال : هذا بحظي وخطيئتي ، وهذا جاء في قسمي ، وقدر في عطيّتي : ( البسيط )
وغايتي أن ألوم حظّي * وحظّي الحائط القصير
ثم إن أخصاءه خانوه ، وشانوه بعد ما زانوه ، ولما فطن لما بطن ، وعلم أن الشر قد خيم عنده بعد ما قطن ، فعل كما فعل الحارث بن هشام ، ونجا برأس طمرة ولجام ، وتحصّن بقلعة دمشق فما أفاده ، ثم إنه رجع بعد ذاك إلى الهوادة ، ونزل على حكم اليد الغالبة ، ورضي بعد الموجبة بالسالبة ، فأمسى في حالة بعين الرحمة مرموقة ، وأصبح بعد أن كان ملكا ، وهو في عداد السوقه ، عبرة لمن تذكّر ، وتبصرة لمن تفكّر . واضطر إلى قلعة صرخد بعد ملك مصر والشام ، وقعد على مقالي النار بعد ذلك المقام ، ثم بعد لأي لوى الزمان إليه عنانه ، ورفع قليلا مكانه ، وتوجّه إلى حماة ، وأرشفه ثغر الزمان لماه ، فأقام بها إلى أن زار الموت حماه ، وأصابه بسهمه لما رماه ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في يوم النحر نهار الجمعة سنة اثنتين وسبعمائة ، ونقل تابوته إلى دمشق ، ودفن بتربته بسفح قاسيون . وكان - رحمه اللّه تعالى - أسمر قصيرا ، دقيق الصوت لحيته صغيرة في حنكه أسر حدثا من عسكر هولاكو انوبة حمص الأولى في آخر سنة ثمان وخمسين وستمائة ، وأمره أستاذه الملك المنصور ، وكان من أمراء الألوف ، ثم إنه عظم في دولة الأشرف التف الخاصكية عليه ، وحمل بهم على بيدرا وقتلوه ، ولما حضر السلطان الملك الناصر من الكرك عقيب ذلك جعله نائبه ، واستمر الحال سنة ، ثم تحوّل الناصر إلى الكرك ، وتسلطن كتبغا ، ولقّب العادل ، ونهض بأمره لاجين وقراسنقر ، وطائفة كان قد اصطنعهم في نوبة الأشرف وتمكّن . وكان جلوسه على الكرسي في يوم الأربعاء الحادي عشر من المحرم سنة أربع وتسعين وستمائة ، وقدم إلى دمشق يوم السبت منتصف ذي القعدة سنة خمس وتسعين ، وصلّى بجامعها الأموي غير مرة . وسافر في الجيش إلى حمص ، ثم ردّ وعاد إلى مصر ، فلما كان بأرض بيسان ، وثب عليه حسام الدين لاجين ، وشد على مملوكيه بتخاص وبكتوت الأزرق ، فقتلهما في الحال ، وكانا عضدي كتبغا ، واختبط الجيش ، وفرّ كتبغا على فرس النوبة ، يقال : إن لاجين لحقه ، وضربه بطومار رماه به ، وقال : انج بنفسك ، وتبعه أربعة من مماليكه لا غير ، وذلك في
أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 94 | خليل الصفدي