أنشدني من لفظه لنفسه القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه ، قال : كتبت إليه مضمنا :
( الوافر )
رأيتك الدهان تبغي * مزيدا في التّودّد بالمساعي
فلو صوّرت نفسك لم تزدها * على ما فيك من كرم الطّباع
وذكرت أنا هنا ما نظمته في مليح دهان : ( الوافر )
ودهّان أقول له ونفسي * من الوجد المبرّح لم أجدها
ملكت جميع حسن في البرايا * فلو صوّرت نفسك لم تزدها
وكان قد اشترى مملوكا وأحبّه ، وربّاه وهذبه وخرّجه ، فمات فحزن عليه حزنا عظيما ، وأسف عليه أسفا كبيرا ، ورثاه بأشعار كثيرة ولحنها ، وغنى بها على قانونه ، ونقلها المغنّون عنه ، وتداولها الناس مدة مديدة .
وأنشدني من لفظه لنفسه جمال الدين يوسف الشاعر الصوفي في ذلك : ( الطويل )
لئن مات يا دهّان مملوكك الّذي * بلغت به في الفسق ما كنت ترتجي
فمثله بالأصباغ ، وجها ، وقامة * وخصرا ، وردفا ثمّ عاينه ، واصلج
ومن شعر شمس الدين الدهان مما رثى به مملوكه : ( الطويل )
مصيبة فقد أيقظت كلّ هاجع * ووثبة حتف فاجأت بالفواجع
ولوعة حزن فاجأت لاعج الأسى * فصدمتها الشّنعاء بين الأضالع
ووقعة رزء لم تدع حين هدّمت * قوى الصّبر قلبا ، وقعها غير ، واقع
لقد ضلّ من يبغي اجتماعا ، وألفة * من الدّهر ، والأيّام ذات القوارع
وما الدّهر إلا ظالم غير منصف * وموجد تفريق لنا غير جامع
وما هذه الأجساد إلّا منازل * وأرواحنا فيهنّ غير ودائع
ومنها : ( الطويل )
ألا في سبيل اللّه شخص رزئته * على غرّة ، والدّهر جمّ الفحائع
فجعت به كالبدر في السّنّ والسّنا * وكالشّمس في إشراقها ، والمنافع
سريع إلى داعي الجميل مبرّأ * من العيب عفّ طرفه في المجامع
جميل المحيّا فيه تلمح صادقا * رزانة كهل ، وهو في سنّ يافع