أنشدني منه كثيرا ، وحباني منه لؤلؤا نظيما ونثيرا ، وكان يعاني اللعب بالعود ، ويطيب وقته بالأماني والوعود .
ولم يزل على حاله إلى أن سكت المحب فما نبس ، وصح عنده من أمر الموت ما التبس ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في سنة تسع وأربعين وسبعمائة في طاعون مصر .
وكان قد كتب إليّ ، وأنا بالقاهرة : ( الوافر )
صلاح الدّين يا رب المقال * ويا ترب المعاني ، والمعالي
تصدّق لي بصرف زكاة جاه * ففيها إن أردت صلاح حالي
فكتبت جوابه مع شيء أهديته إليه : ( الوافر )
محبّ الدّين في الآداب شيخا * نوى لي أن يعرّض بالنّوال
إذا ما الجاه لم أك فيه وجها * فما لي لا أجود بفضل مالي
وأنشدني من لفظه لنفسه يمدح القاضي نجم الدين محمّد بن محمّد الطبري قاضي مكة ، وقد أنشده القاضي خمسة أبيات على هذا الوزن والرويّ ، وستأتي في ترجمة المذكور - إن شاء اللّه تعالى - : ( الكامل )
شرع الهوى هوني لعزّة جاهك * فارثي لذلّة موقفي بجاهك
رقّي لجسم رقّ من دنف الهوى * وشفاه ما تحويه حوّ شفاهك
لا تعجبي إن ذبت شوقا ، واعجبي * أن ليس إلا سقم طرفك ناهك
وسن نفى ، وسني فنمت ، ولم أنم * ما ليلة السّاهي كليل السّاهك
بطحاء ، وادي الأثل لولا تيهها * ونفارها ما حمت في أتياهك
ولما ، وخدت بها شوازب ضمّرا * أوردتها عشرا ثغاب مياهك
بدّلت سدرك بالسّدير ، وما حوى * ونفائح النّسرين فيح عضاهك
وهجرت طيب كرى ، وواصلت * بمشقّة التّهجير في إدماهك
ادعوا بسعدى أين يمن سراي إذ * أكرهتم ، وعففت عن إكراهك
نصبوا عليّ رحاضهم لكنّهم * شاهت ، وجوههم لصولة شاهك
أعشو إلى حلي التّرائب خفية * إذ غمض الأتراب عن أفكاهك
أدني اللّجين لعسجديّ شاحب * صدئ الإهاب بما اكتساه ساهك
اسقي عهاد الدّمع عهدا باللّوى * أنسيته لشفاي لا لشفاهك