رأيته بصفد ، وهو يلعب مرات ، وللكرات قدامه غدوات ، وكرات .
وكان قد ربي هو والسلطان الملك الناصر محمد ، وما يدعوه إلا بأخي ، ولا يرى إلا ، وهو ينتخب له كل وقت ، وينتخي .
ولما كان في الكرك كانت كتبه لا تنقطع عنه البتة ، إما أن تجيء إلى ميعاد ، وإما أن تجيء بغتة .
ولما توجهوا إلى مصر بقيت له المكانة العليا ، وضاقت بسعادته الدنيا ، إلا أن المدة ما طالت ، وما زارت حتى زالت ، وكان كأنه كوكب السحر في قصر عمره ، أو الزهر الذي أينع فاجتني لطيب نشره .
وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في جمادى الآخرة سنة عشر وسبعمائة ودفن بالقرافة ، وتجرع أبوه غصته . وما أمكنه أن يشرح قصته .
كان الأمير علاء الدين بن الجوكندار « 1 » طبجي الشام يجيء إلى صفد كل قليل ، ويلعب هو وناصر الدين فيرى الناس منهما أمرا عجيبا .
1519 - محمد بن بكتوت « 2 »
ناصر الدين بن بدر الدين الكاتب المجود المعروف بالقرندلي لأنه لبس زيهم في حلب .
كان قادرا على الكتابة . وله فيها رأي لا تفارقه الإصابة . كتب الأقلام السبعة ، وكاد فيها يسمو على الثريا رفعة . يدعي أنه كتب على ابن الوحيد « 3 » ، وما قوله في ذلك بسديد ، وإنما كتب في بعلبك على خطيبها « 4 » ، وفاز من طريقة ابن الوحيد بلذاتها ، وطيبها ، ونسخ من المصاحف ، ولم يزل يكتب إلى أن محي اسمه من المحيا ، ونزل إلى قرار اللحد بعد العليا .
وتوفي - رحمه اللّه تعالى - بطرابلس سنة خمس وثلاثين وسبعمائة في يوم الاثنين الخامس عشر من شهر ربيع الأول .
حكي له أنه لبس زي القرندلية بحلب ، ودخل بينهم ، وهو ينسخ فقالوا : ما هذا ؟ ، ما هو طريقنا .
قال : فقلت لهم : أنتم تعلمون هذه القلائد الصوف فقال له من بينهم واحد : أريد أن أنزل أنا ، وأنت في هذه البركة باللباس فقال : فنزلت معه في يوم بارد في مثل حلب فبقينا
هامش
( 1 ) وقد سبقت ترجمته في موضعها .
( 2 ) انظر : الدرر الكامنة : 1054 ، والوافي بالوفيات : 2 / 256 ، والنجوم الزاهرة : 9 / 307 .
( 3 ) علي بن الوحيد هو : محمد بن شريف الزرعي ، توفي سنة 711 ه . ( انظر : النجوم الزاهرة :
9 / 220 ) .
( 4 ) خطيبها هو : بهاء الدين محمود بن محمد بن عبد الرحيم ، ستأتي ترجمته في موضعها .