ولم يزل على حاله في الإفادة ، والتفرد في فنونه بالإجادة ، إلى أن خرست تلك الفصاحة ، وكرر الحمام في الأيك عليه النياحة .
وتوفي - رحمه اللّه تعالى - يوم الجمعة قبل العصر الثالث من شهر رمضان سنة سبع وتسعين وستمائة بالمزة في دمشق .
وله شرح على أول « مختصر » ابن الحاجب تكلم على منطقه . ودرس بالغزالية ، وولي مشيخة الشميساطية ، وولي مشيخة الصلاحية بالقاهرة ، وتكلم فيه الصوفية ، وحضر قاضي القضاة تقي الدين ، وقال : يا شيخ شهد عليك جماعة من الصوفية بكذا ، وكذا فقال : أنت تنكل بي في هذا الجمع نكل اللّه بك . فقال قيموه : فأقيم ، وهو يقرأ :
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ
[ الحجر : 97 ] ، ولما قال :
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
[ الحجر :
98 ] ، ما قال : ادفع بحيلك ، وقوتك ، وتوجه إلى الشام ، وأقرأ الجماعة « الكشاف » .
وقيل إنه وصف للشيخ بدر الدين بن مالك ، ومعرفته « الكشاف » فحضر ليلة درسه ، وسمعه وهو يتكلم فلما فرغ قال له : يا شيخ بدر الدين ما سمعتك تتكلم . قال : كيف أتكلم ، ومن وقت تكلمت إلى أن سكت عددت عليك ثلاثين لحنة .
وفيه يقول شيخنا العلامة شهاب الدين محمود : ( السريع )
بنت فبات الطّيف لي مؤنسا * يبيحني جنّة خدّيك
وطالما أمّلتها يقظة * فصدّ عنها سيف جفنيك
ولم أخل أنّ حمام اللّوى * في الأيك يغني عن رقيبيك
نفر نوما كان مثل الصّبا * يعطف لي إن ملت عطفيك
فلا رعى اللّه حمام اللّوى * ولعنة اللّه على الأيك
وكان سبب نظمها أن الأيكي تكلم في حق الإمام أحمد رضى اللّه عنه ، وثار الحنابلة عليه . ولما بلغه قال : واللّه لقد تلطف في الهجو ، وكان شيخنا أبو الثناء بعد موته لا ينشدها إلا ويقول :
ورحمة اللّه على الأيك .
وبعض الناس قال فيه : اسمه أحمد بن أبي بكر .
قلت : واشتهرت هذه الأبيات كثيرا ، وسلك هذه الطريقة جماعة ممن عاصره . فقال النصير : ( السريع )
مذ أحضرتني زوجتي حاكما * أنكرت ما قد كان من حقّي
فأخرجت رقّ صداق لها * ردّ كلام الكلّ في حلقي
وكان ذاك الرّق أصل البلا * فلعنة اللّه على الرّقّ