ومكاتبات على عادة الأدباء مليحة .
وكان قد طلب هو وأخوه شهاب الدين أحمد بن غانم إلى مصر على البريد في شهر رجب سنة سبع عشرة وسبعمائة ، فرسم للشيخ علاء الدين بكتابه السر بحلب ، فاستعفى من ذلك .
وعرض عليه الإقامة بمصر ، فاختار العودة إلى بلده ، ورسم لهما بزيادتين وخلعتين ، وأعيدا إلى دمشق .
ومن نثره - رحمه اللّه - يصف قلعة : « ذات أودية ومحاجر ، لا تراها العيون لبعد مرماها إلا شزرا ، ولا ينظر ساكنها العدد الكثير إلا نزرا ، ولا يظن ناظر إلا أنها طالعة بين النجوم بمالها من الأبراج ، ولها من الفرات خندق يحفها كالبحر إلا أن
هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ
[ الفرقان : 53 ] ، ولها واد لا يقي لفحة الرمضاء ولا حر الهواجر ، وقد توعرت مسالكه فلا يداس فيه إلا على المحاجر ، وتفاوت ما بين مرآه العلي وقراره العميق ، ويقتحم راكبه الهول في هبوطه
فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ
[ الحج : 31 ] .
« وجعله لحقيقة العلياء نفسا وعينا ، ولا أعدم منه الملك ناظرا ولا عينا ، ولا زال على الأعداء يرسل من مهابته رقيبين أذنا وعينا ، وأغنى بمكارمه من أن نشيم من السماء خالا وعينا ، أو نرد من الأرض منهلا وعينا ، وأطلع طلعة لوائه في الخافقين حتى تخال الشمس عينا ، وسير ركائب ذكره في الآفاق لا تشتكي أينا ولا عينا ، وأقام ميزان القسط بين الرعايا لا تجد فيه غبنا ولا عينا » واستعبد بخدمته كل أصيد من الملوك لكل جحفل قلبا ولك محفل عينا ، وأهلك كل عدو له وحاسد تارة فجأة وتارة عينا ، ومتّعه بما خصه من استجلاء عرائس الحور العين بمجاهدته إذا شغل سواه عيناء من أسماء وعينا ، وسطر آثار مآثره محكمة على صفحات الأيام إذا لم يبق لمن سلف من الملوك أثرا ولا عينا » .
وأنشدني من لفظه ما كتبه إلى شيخنا العلامة أبي الثناء محمود : ( الطويل )
لقد غبت عنّا والّذي غاب محسود * وأنت على ما اخترت من ذاك محمود
خللنا محلا بعد بعدك ممحلا * به كلّ شيء ما خلا الشّر مفقود
به الباب مفتوح إلى كلّ شقوة * ولكن به باب السّعادة مسدود
قال : فكتب الجواب : ( الطويل )
أأحبابنا بنتم وشطّ مزاركم * برغمي وحالت دون وصلكم البيد
وودّعتكم روض الحمى بفراقكم * فشابت نواصي بأنّه وهو مولود