لعمرك إنّ للباقي التفاتي * وما لي نحو ما يغني طريقه
أرى الدّنيا وما فيها مجازا * وما عندي سوى الأخرى حقيقة
وحصل له في وقت ما شرى ، فكتب إليه جمال الدين محمد بن نباتة المصري : ( الكامل )
يفديك يا قاضي القضاة عليهم * من كلّ داء تشتكي كلّ الورى
شهد الشّرى لك حين زارك بالتّقى * والصّبر والصّدقات لمّا خبّرا
لا تعدم المدح الرّوائح سيّدا * هذي خلائقها بتخبير الشّرى
فلما حضرت عنده أراني إياها ، فلما وقفت عليها علمت ما أراده من خطأ التورية مع الناظم ، فمضيت من عنده ، وعدت إليه ، وقد كتبت أنا إليه بعد ذلك : ( الكامل )
لمّا أشتكى قاضي القضاة فديّته * من كلّ سوء يشتكى
عاينته لأذى الشّرى متصبرا * فعلمت حقا أنّه أسد الشّرى
وربحت توريتي الّتي قعدت وما * خسرت ولم أنطق بتخيير الشّرى
فأعجبه ذلك ، وجبر على عادته معي ، وفساد التورية مع الناظم الأول ، هو أن الشرى - بفتح الشين مقصور - ، وهو المرض المعروف عند الأطباء بالماشرى ، وهو الخراج الصغار التي تتولد من مادة دموية لذاعة ، والشرى - بكسر الشين - مصدر شرت شرى ، ففسدت توريته .
وصل الخبر مع البريد من مصر بوفاته - قدّس اللّه روحه - في يوم الجمعة السابع من جمادى الآخرة سنة ست وخمسين ، فكتبت مرثية إلى ابنه قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ، وأنشدت في صبيحة العزاء بالعادلية ، وهي : ( الخفيف )
أيّ طود من الشّريعة مالا * زعزعت ركنه المنون فزالا
أيّ ظلّ قد قلّصته المنايا * حين أعيا على الملوك انتقالا
أيّ بحر قد فاض بالعلم حتّى * كان منه بحر البسيطة آلا
أيّ حبر مضى وقد كان بحرا * فاض للواردين عذبا زلالا
أيّ شمس قد كوّرت في ضريح * ثمّ أبقت بدرا يضي وهلالا
مات قاضي القضاة من كان يرقى * رتب الاجتهاد حالا فحالا
كأنّ الشّمس في العلوم إذا ما * أشرقت أصبح الأنام ذبالا