فكم من مقلة للحزن تجري * مدامعها بأربعة سجام
رعاه اللّه من راع أمين * أنام بعدله عين الأنام
وكفّ حوادث الأيّام عنهم * فلم تطرق حماهم بانتقام
وكيف ينوبهم خطب ملمّ * وناب الدّهر فيهم غير نام
حنوّ زاد في إفراط برّ * يسكّن برده لهب الضّرام
وتدبير خلا عن حظّ نفس * وناب الرّعب فيه عن الحسام
ودست حكمه في دار عدل * تأيّد بالملائكة الكرام
وكم جبّار قوم ذي عتوّ * تهيّب أن يراه في المنام
يساوي عنده في العدل بين ال * كرام الغرّ ، والسّود اللّئام
وهيبته سرت شرقا وغربا * وشاعت عنه في مصر ، وشام
يراع المغل في توريز منه * ويطرق أرضهم في كلّ عام
وكم قطع الفرات ، وصاد حتّى إذا ما * توغّل في فضا تلك المرامي
قيل هذا اللّيث وافى * مضوا هربا كأمثال النّعام
ولم نر قبله ليثا أتته * أفاعي القيد تنذر بالحمام
وقد رقّت لنا فتئنّ حزنا * عليه في القعود ، وفي القيام
ألا فاذهب سقيت أبا سعيد * فقد روّى زمانك كلّ ظام
فأنت وديعة الرّحمن منّا * تحوطك في الرّحيل ، وفي المقام
ولّيت فلم تخن للّه عهدا * ولم تجذبك فيه عرى الملام
وحاشى أن يراك اللّه يوما * تعدّيت الحلال إلى الحرام
ونلت من السّعادة والمعالي * منالا حاز غايات المرام
وكنت إذا دجا ليل القضايا * وكانت من مهمّات جسام
تفرّجها بقول منك فصل * لأنّ القول ما قالت حذام
وكنت تحبّ نور الدّين طبعا * لأنّكما سواء في التزام
رعيت كما رعي وحميت ما قد * حمى نفديك من راع ، وحام
بقيت متمتّعا بالخلد حتّى * يقوم النّاس من تحت الرّجام
ولما كان في أوائل شهر رجب الفرد سنة أربع وأربعين وسبعمائة حضر تابوته من الإسكندرية إلى دمشق ، ودفن - رحمه اللّه تعالى - في تربته التي تجاور جامعه بدمشق