وإذا علم في كل يوم فهو الدستور للناس أجمعين .
إذا خرج كاتب السر لا يبقى بدار السعادة أحد من أرباب الخدم ، وكان أخيرا لا يدخل عليه العلامة إلا أربعين علامة بالعديد من غير زيادة ، وكان أخيرا إذا توجه إلى الصيد لا يعود يمسك قلما ، ولا يعلم علامة بل قبل السفر يكتب جميع ما يحتاج إليه من الأجوبة ، والكتب المطلقة ، والتسامير ، وأوراق الطريق ، والمطالعات إلى باب السلطان ، ويدخل بها في يومين ثلاثة ، وهي مسطرات يتعلم على الجميع إلى أن يتكامل ما يريده كاتب السر .
وكان يعظم أهل العلم ، وإذا كانوا عنده ، واجتمع بهم لا يسند ظهره إلى الحائط بل ينفتل ويقبل ، بوجهه ، ويوادهم ، ويؤنسهم أعني غير القضاة ، ويقول : حلت علينا البركة .
فاللّه يكرمه في جواره .
وقلت أرثيه - رحمه اللّه تعالى - :
كذا تسري الخطوب إلى الكرام * وتسعى تحت أذيال الظّلام
وتغتال الحوادث كلّ ليث * هزبر « 1 » عن فريسته محام
وتبذل بعد عزّ ، وامتناع * وجوه لم تعرّض للّطام
فكم ملك غدا في الأرض دهرا * وآل إلى انتقال ، وانتقام
إذا ما أبرم المقدور أمرا * رأيت الصّقر من صيد الحمام « 2 »
وهل يرجى من الدّنيا رفاء * ولم تطبع على رعي الذّمام
إذا ضاقت جوانحنا بهمّ * توسعه بأنواع السّقام
أقال اللّه عثرتنا فإنّا * رمانا الدّهر في شرّ المرامي
وردّ اللّه عقبانا لخير * فقد أمسى الزّمان بلا زمام
تنكّر يوم تنكّز كلّ عرف * وسام الذّلّ فينا كلّ سام
ومال إلى المدينة كلّ مولى * وحام على الرّزيّة كلّ حام
وأذهل يومه الألباب حتّى * كأنّا فيه صرعى بالمدام
بكيت دمشق لمّا غاب عنها * وأوحش أفقها بدر التّمام
ويا لمصيبة بدمشق حلّت * شدائدها بأحداث عظام
هامش
( 1 ) الليث والهزبر : الأسد . وهو الغضنفر وغير ذلك من الأسماء . . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 426 ) .
( 2 ) تصوير لطيف أن يكون الصقر ملك الطيور صيدا سهلا للحمام الذي هو أضعف الطيور .