والعقد إلى السلطان الملك الناصر محمد ، وسارا معا إلى غزو التتار ، وشهدا مصاف شقحب في شهر رمضان سنة اثنين وسبعمائة ، وهو مع السلطان راكب ، وجميع كبار أمراء الجيش مشاة ، وعليه فرجية سوداء مطرّزة ، وعمامة كبيرة بيضاء بعذبة طويلة ، وقد تقلّد سيفا عربيا محلّى .
ولما فوّض الأمر إلى الجاشنكير ، وقلّده السلطنة بعد توجه السلطان الملك الناصر ، ولقّب المظفر ، عقد له اللواء ، وألبسه خلعة السلطنة : فرجية سوداء ، وعمامة مدورة ، وركب بذلك والوزير حامل التقليد على رأسه ، وهو من إنشاء القاضي علاء الدين بن عبد الظاهر « 1 » ، وأوله :
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ النمل : 30 ] ، هذا عهد لا عهد لمليك بمثله .
رأيته أنا بالقاهرة مرات ، وكان تام الشكل حسنا ، يملأ برونقه العين مهابة ، وسنا تعلوه الهيبة والوقار ، وعليه من أبهة الخلافة والأمانة أنوار ، يجود لو كان المال طوع حكمه ، وينصف المظلوم ولكن هو يشكو مثل ظلمه .
ولم يزل بمصر إلى أن تنكّر السلطان عليه ، وكاد من الحنق يحضره بين يديه ، فأطلعه وأهله إلى القلعة ، وأسكنه برجا مطلا على الباب ، وحير في أمره ذوي العقول والألباب ، فلم يركب ولم ينزل ، ولم يدخل ولم يخرج وهو في المنزل ، وبقي مدة تقارب الخمسة أشهر ، ثم أفرج عنه ، وأنزله إلى داره ، وهو لم يشتف منه .
ثم إنه تنكّر عليه بعد نصف سنة أخرى ، وجرّعه في هذه المرة كأسا مزاجها مرّا ، وجهز وأولاده إلى قوص في سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة ، فراح إليها والعيون من الناس عليه عبرى ، والنفوس لم تملك على مصابه صبرا ، وأقام بها يكابد هواجر هواجرها ، ويجري دمعا لما نزل من عينه محا محاجرها ، إلى أن توفي ولده صدقه ، وكان يحل منه محل قلبه لا الحدقة ، فوجد عليه وجدا شديدا ، وأذاب قلبه ولو كان حديدا .
ولم يزل بعد ذلك في حزن يذوي ودمع يكوي ، إلى أن فجع المؤمنون بأميرهم ، وباح الحزن عليه بما في ضميرهم .
وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في مستهلّ شعبان سنة أربعين وسبعمائة .
ومولده سنة ثلاث وثمانين وستمائة .
وكان له ولد كبير اسمه خضر ، كان قد جعله ولي عهده فتوفي في جمادى الآخرة سنة
هامش
( 1 ) انظر : المختصر لأبي الفداء : 4 : 132 ، والسلوك للمقريزي : 2 : 504 ، والبداية والنهاية : 14 :
187 .