ولم يزل بدمشق على حاله ، إلى أن تعثّر سعيد في طريق أجله ، وراح إلى اللّه - تعالى - في عجله ؛ لأنه بصق دما يومين ، ومات في الثالث - رحمه اللّه تعالى - ، وذلك في الخامس عشر من ذي القعدة سنة تسع وأربعين في طاعون دمشق .
ومولده سنة اثنتي عشرة وسبعمائة .
قال شيخنا الذهبي : سمع المزي من السروجي عنه ، ومن تصانيفه كتاب تفتت الأكباد في واقعة بغداد ، وكتبت له عليه تقريضا ، والرحلة الثانية إلى مصر ، وكتبت له عليها ما نسخته : وقفت على هذا السلك الذي جمع در القريض ، والروض الذي تنظر النجوم الزهر إلى زهره استحياء بطرف غضيض ، والسحر الذي ما نفث مثله في أحشاء العشاق كل طرف فاتر ولا جفن مريض ، والأدب الذي لو حاوله شاعر لوقع منه في الطويل العريض ؛ لأنه اختيار الشيخ الإمام الرحال الجوال نجم الدين سعيد الدهلي الحريري الحنبلي ، أدام اللّه به الانتفاع ، وشنّف بأقواله الأسماع :
إمام إذا ناوأه في الفضل حاسد * تعثّر علما إنّ ذاك سعيد
كذلك لو جاراه في أمد العلا * لقلنا اقتصر فالنّجم منك بعيد
ولم يسمه بالفوائد سدى ، ولا وسمه بهذه السمة إلا وهي واضحة الهدى ، علما منه بأن الفاضل لن يجهله ، وأن الفوائد جمع لا نظير له ، فاللّه تعالى يمتع الفضلاء بفوائده المدوّنة ، ومحاسنه التي هي كفواكه الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة ، بمنّه وكرمه - إن شاء اللّه تعالى - .
كتب في شهر ربيع الآخر سنة سبع وأربعين وسبعمائة .
709 - سعيد بن أحمد بن عيسى « 1 »
الشيخ الإمام الفاضل العدل نجم الدين ، القاضي أبي العباس الغماري المالكي .
كان معيدا بالمدرسة الناصرية والمنكوتمرية ، كان فيه مخالطة ، وإبهام للناس بالناس ومغالطة ، مع كيس ولطف ذوق ، وتقلبات لا يجيء فيها إلا من فوق ، وعنده فقه ، وله نظم ما به من باس ، ومحاضرة مخرق بها فستر ذلك الإلباس ، وحصل من الدنيا جملة وافرة ، ولم يكن له من يرثها بعده ، ولم يتزود منها غير الكفن لما نزل لحده .
ولم يزل على حاله إلى أن طمس نجمه ، ورمس فوقه رجمه .
وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في الثاني من جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين وسبعمائة ، ودفن في مقابر باب النصر بالقاهرة .
هامش
( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 2 / 134 .