حيان « 1 » ، والمنطق عن سيف الدين البغدادي « 2 » ، وحفظ الحاوي والجزولية والشاطبية ، وأقرأ الناس في أصول ابن الحاجب وتصريفه ، وفي التسهيل ، وكان يعرف الطب والحساب ، وغير ذلك .
ولخطبته في النفوس تأثير ، وللدموع لها على الخدود جري وتعثير ، ترقّ له القلوب القاسية ، وتتذكر النفوس الناسية ، وعلى قراءته في المحراب مهابة وفصاحة ، ولها إلى الجوانح جنوح ، وفي الجوارح جراحة ، لم أر في عمري مثل اتضاعه على علو قدره ، ولا رأيت ولا غيري مثل سلامة صدره ، مطرح التكلف راض بالقعود عن الدنيا والتخلف ، يحمل حاجته بنفسه ، ولا يحتفل بمأكله ولبسه ، تخرج به جماعة وانتفعوا ، وردّ بمواعظه أهل الجرائم عن طريقهم واندفعوا .
وعرض عليه سنة خمس وأربعين وسبعمائة قضاء المدينة الشريفة وخطابتها فامتنع ، وانخزل عن قبول ذلك ، وانجمع .
وله نظم إلّا أنه ما أظهره ، ولا كلف خاطره أن يؤلف جوهره ، إما عدم رضى بما يأتيه منه ، أو تورعا عن قوله ونفورا عنه ، ولم يزل على حاله في أشغاله الطلبة والإمامة ، والعمل على ما فيه خلاصه يوم القيامة ، إلى أن سار إلى الآخرة ، وصار بالساهرة .
وكانت وفاته بالقاهرة سنة تسع وأربعين وسبعمائة .
ومولده سنة ثلاث وسبعين وستمائة .
وقلت أرثيه : ( البسيط )
ملّت بعد البرهان للتّقليد * في انسكاب الدّموع فوق الخدود
ما أنا ، واثقا بتسفاح دمعي * خان صبري الأمين بعد الرّشيد
كيف لا تسفح الدّموع على من * كان للطّالبين خير مفيد
قال لمّا احتواه طاعون مصر * كم قتيل كما قتلت شهيد
فهو في قبره مع الحور يلهو * ببياض الطّلى ، وورد الخدود
ما تملّت جفونه ببدور * قبلها في براقع ، وعقود
هامش
( 1 ) أورد له المصنف ترجمة في حرف الياء .
( 2 ) سيف الدين البغدادي هو : عيسى بن داود أبو الروح البغدادي الخوارزمي الحنفي ، المتوفى في سنة 705 ه .