وكانت نفسه كريمة ، وهمّته عند الثريا مقيمة ، ولم يزل على تلك الحال إلى أن خلا في القبر بعمله ، وانقطعت من الحياة مواد أمله .
وكان قد قدم إلى دمشق في شهر رجب سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة من القدس ، ونزل بمغارة العزيز بالجبل ، وقصده الناس بالزيارة من الأمراء ، والقضاة والعلماء والصدور ، وحدث بجزء ابن عرفة « 1 » ، ثم عاد إلى القدس ، وتوفى في الثالث من ذي القعدة من السنة المذكورة .
ومن شعره من قصيدة : ( الكامل )
قد كنت تبت عن الهوى * لكنّ حبّك لم يدعني
ولما مات الشيخ جلال الدين - رحمه اللّه تعالى - رثاه شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود - رحمه اللّه تعالى - بقصيدة أوّلها : ( الطويل )
أيا مقلتي جودي بدمعك لي جودي * فما مثل من قد بان عنك بموجود
وإن غاض ماء الدّمع فابك دما فما * يعدّ البكا إلّا لأكرم مفقود
فما أنت إن قصّرت منّي ، ولا أنا * إذا لم تسل روحي دموعا بمحمود
بروحي أحباب مضوا ، وجلالهم * يلوح لعيني منه أكمل مشهود
تولّوا ، وما عوّضت من قربهم سوى * تذكّر عيش مرّ لي غير مردود
هم ، وردوا قبلي من الموت منهلا * وها أنا صاد ، وهو أقرب مورود
أعدّدهم حزنا ، وأبكي معددا * عليهم فحالي بين عدّ ، وتعديد
كانّ رداهم ، واحدا بعد ، واحد * على نسق الأحزان أسماء توكيد
أقول لأيّام تقضّت ، وشملنا * كعقد على جيد المسرّة معقود
أأيّامنا عودي بهم ، وضلالة * مقالي لصمّ غير سامعة عودي
ولكنّها زور المنى ، وخداعها * تخيّل أمرا في الورى غير معهود
كفى حزنا أنّ الأسى مبعث الأسى * فآتيه في ماضيه علّة تجديد
أسمّيهم حزنا ليعلم أنّه * رثاء أتى من موجع القلب معمود
هامش
( 1 ) ابن عرفة هو : الحسن بن عرفة بن يزيد العبدي ، مؤدب من رجال الحديث ، كان مسند زمانه ، له جزء مروي على العصور ، المتوفى في سنة 257 ه ، ( انظر : شذرات الذهب : 3 / 136 ، والكشف :
1 / 584 ) .