السنين يصيّف في الشام ، ويشتّي في مصر ، إلّا أنه كان متمزّقا ، إلى الغاية متخرّقا ، في نهاية يكابد شدائد الفقر ، ويصبر من القلة على ما لها في حاله من العقر ، قد زوته الحشيشة في حشّ ، وروته من الطيش في طشّ .
ولم يزل على حاله إلى أن جاء الطاعون ، فغسله في جملة ذلك الماعون ، وذلك في سنة تسع وأربعين وسبعمائة بدمشق في مستهل شهر رجب ، وكان له من العمر تقريبا أربعون سنة .
أنشدني من لفظه لنفسه : ( الطويل )
ناظر الجامع الكب * ير ظلوم إذا قدر
إبله ربّ بالعمى * وأرحه من النّظر
قلت له إذ بدا وطلعته * قد أشرقت فوق قامة تامة
هب لي مناما فقال كيف وقد * رأيت شمس الضّحى على قامه
قلت : هو مأخوذ من قول شمس الدين التلمساني : ( الطويل )
بدا وجهه من فوق أسمر قدّه * وقد لاح من سود الذّوائب في جنح
فقلت عجيب كيف لا يذهب الدّجى * وقد طلعت شمس النّهار على رمح
وأنشدني من لفظه في العائق الطبّاخ : ( المتقارب )
قد غلب العائق في قوله * لمّا أتى الطّاعون بالحادث
قمحيّتي تقتل من يومها * وأنت في يومين ، والثّالث
وكتب إليّ ونحن بالقاهرة : ( الكامل )
أيا فاضلا ساد الورى بفضائل * تناهت فما أضحى لهنّ بديل
تقمّصت ثوب العلم والحلم والنّدى * فأنت صلاح للورى وخليل
ولست خليلا بل خليجا لوارد * غلطت فسامحني فنيلك نيل
فكتبت أنا الجواب إليه : ( الطويل )
أيا ابن أبي الخوف الّذي أمنت به * طرائق نظم واستبان دليل
فأنت على هذا الزّمان كثير * ورأيك في النّظم البديع جميل