وكان هذا شهاب الدين الحاجبي كثيرا ما يتّبع كلامي ، ويقصد إصابة مرامي ، ولما سمع قولي قديما : ( المنسرح )
قالت لأيري وهو فيها ضائع * كالحبل وسط البير إذ تلقيه
قد عشت في كسّ كبير قلت ما * كذبت لأنّ الكاف للتّشبيه
ربّ صغير حين ولّفته * أيقنت لا يدخل إلّا اليسير
ألفيته كالبير في وسعه * حتّى عجبنا من صغير كبير
وكذا لمّا سمع قولي : ( البسيط )
يا طيب نشر هبّ لي من نحوكم * فأثار كامن لوعتي وتهتّكي
أدّى تحيّتكم وأشبه لطفكم * وروى شذاكم إنّ ذا نشر ذكي
نظمه أيضا فقال : ( الكامل )
لا تبعثوا غير الصّبا بتحيّة * ما طاب في سمعي حديث سواها
حفظت أحاديث الهوى وتضوّعت * نشرا في اللّه ما أذكاها
ولما أنشدنيهما قلت له : إلّا أنك نقصتها صفة ، عما وصفتها به فاعترف .
ولم يزل الحاجبي على حاله إلى أن ذهبت عينه وأثره ، وأقام في لحده ، إلى أن يشقّه اللّه يوم القيامة ويبعثره .
وتوفى - رحمه اللّه تعالى - في سنة تسع وأربعين وسبعمائة في طاعون مصر .
وأنشدني الشيخ ناصر الدين محمد بن يعقوب المكتّب المصري من لفظه قال :
أنشدني من لفظه لنفسه شهاب الدين الحاجبي - رحمه اللّه تعالى - : ( السريع )
هل لورد الخدود يا صاح شوك * مثل ورد الرّياض قلت العذار
وبه قال : أنشدني : ( السريع )
عودوا لصبّ بكى عليكم * يا جيرة ودّعوا وساروا
فدمع عينيه عاد بخرا * وقلبه ما له قرار
وبه قال : أنشدني : ( السريع )
ودّعتهم ودموعي * على الخدود غرار
فاستكثروا دمع عيني * لمّا استقلّوا وساروا
وبه قال : أنشدني : ( الطويل )
إلى اللّه أشكو من عليّ فإنّني * شرحت له شوقي وفرط تألّمي
وأحوجني للغير بيني وبينه * ويحتاج من يهوى عليّا لسلّم