تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فوات الوفيات والذيل عليها — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
فأعلم الغساني بعض الحاضرين بذلك ، فجهز الغساني غلاما له جلدا إلى ابن أسد يدخل عليه ويعرّفه العذر ، فوصل الغلام إلى ابن أسد قبل وصول قاصد ابن مروان ، فلما علم ذلك كتب الجواب إلى ابن مروان أنه لم يقف على هذه القصيدة أبدا ، ولم يرها إلّا في كتابه ، فلما وقف ابن مروان على الجواب أساء إلى الساعي وسبه وقال : إنما تريد إساءتي بين الملوك ، ثم أحسن إلى الغساني وأكرمه غاية الإكرام ، وعاد إلى بلاده ؛ فلم يمض على ذلك مدّة حتى اجتمع أهل ميّافارقين ودعوا ابن أسد على أن يؤمروه عليهم ، وإقامة الخطبة للسلطان ملك شاه وإسقاط اسم ابن مروان ، فأجابهم إلى ذلك ، وحشد ابن مروان ، ونزل على ميافارقين فأعجزه أمرها ، فسير إلى نظام الملك والسلطان يستمدّهما ، فأنفذا « 1 » إليه جيشا ومددا مع الغساني الشاعر ، وكان قد تقدّم عند السلطان ، فصدقوا الحملة على ميافارقين ، فملكوها عنوة وقبض على ابن أسد ، وجيء به إلى ابن مروان فأمر بقتله ، فقام الغساني وجرد العناية في الشفاعة حتى خلصه وكفله بعد عناء شديد ، ثم اجتمع به وقال : أتعرفني ؟ قال : لا واللّه ، ولكن أعرف أنك ملك من السماء منّ اللّه عليّ بك لبقاء مهجتي ، فقال : أنا الذي ادّعيت قصيدتك وسترت عليّ ، وما جزاء الإحسان إلّا الإحسان ، فقال ابن أسد : ما سمعت بقصيدة جحدت فنفعت صاحبها إلّا هذه ، فجزاك اللّه خيرا ؛ وانصرف الغساني من حيث جاء ، وأقام ابن أسد مدّة ، وتغيرت حاله وجفاه إخوانه وعاداه أعوانه ، ولم يقدر أحد على مرافدته ، حتى أضرّ به العيش ، فنظم قصيدة مدح بها ابن مروان ، فلما وقف عليها غضب وقال : ما يكفيه أن يخلص منا رأسا برأس حتى يريد منّا الرّفد ؟ لقد أذكرني بنفسه ، اصلبوه ، فصلب سنة سبع وثمانين وأربعمائة . ومن شعره :
أريقا من رضابك أم رحيقا * رشفت فلست من سكري مفيقا
هامش
( 1 ) ص : فأنفد .