« أفترى ذلك سدى ؟ ، أم وضح أن نحن المقرّبون وهم البعداء ؟ ، وهذه واللّه أحوال لا تؤخذ من باب السّلم والإجارة والجنايات ، نعم كلّها تنال بالخضوع والخشوع ، وبأن نظمأ ونجوع ، وتحمى عينيك الهجوع ، ومما يعينك على هذا الأمر الذي [ قد ] دعوتك إليه ، وتزوّدك في سفرك للعرض عليه ، أن تجعل لك وقتا تعمره بالتذكّر والتفكّر ، وأياما تجعلها [ لك ] معدّة لجلاء قلبك ، فإنّه متى استحكم صداه صعب تلافيه ، وأعرض عنه من هو أعلم بما فيه ، فاجعل أكبر همّك الاستعداد للمعاد ، والتأهب لجواب الملك الجواد ؛ فإنّه يقول « فو ربّك لنسألنّهم أجمعين عمّا كانوا يعملون » ، ومهما وجدت من همّتك قصورا ، واستشعرت من نفسك عمّا بدا لها نفورا ، / فاجأر [ 142 و ] إليه وقف ببابه ؛ فإنّه لا يعرض عمّن صدق ، ولا يعزب عن علمه خفاء الضمائر ؛ ألا يعلم من خلق ؟
« وهذه نصيحتى إليك ، وحجّتى بين يدي اللّه - إن فرّطت - عليك ، أسأل اللّه لي ولك قلبا واعيا ، ولسانا ذاكرا ، ونفسا مطمئنّة بمنّه وكرمه » .
توفّى يوم الجمعة حادي عشر صفر عام اثنين وسبعمائة ، ودفن يوم السبت بسفح المقطم ، وكان ذلك يوما مشهودا ، عزيزا مثله في الوجود ، سارع النّاس إليه ، ووقف جيش ينتظر الصلاة عليه ، رحمه اللّه تعالى ، وهو ممّن تألّمت على فوات رؤيته ، والتملّى بفوائده وبركته ، لكنّى انتفعت بالنّظر في كتبه في الصّغر ، واستفدت منها في الكبر ، وعلّقت من تصانيفه مباحث جليلة ، وقيّدت من تآليفه جملا جميلة ، جمع اللّه الشمل بيني وبينه في دار كرامته ، ومتّعنى بمشاهدته ورؤيته في جنّته .
ورثاه جماعة من الفضلاء والأدباء بالقاهرة وقوص ، منهم شعيب ابن أبي شعيب ، والأمير مجير الدّين بن اللمطىّ « 1 » ، وشرف الدّين النّصيبينىّ « 2 » .
هامش
( 1 ) هو عمر بن عيسى بن نصر ، انظر ترجمته ص 448 .
( 2 ) هو محمد بن محمد بن عيسى ، وستأتي ترجمته في الطالع .