قال العواني : وكان رضي اللّه عنه هذا شأنه في أفعال الخير والبر ، ما رأيت ممن لقيت من يضاهيه في جميع أحواله ، وكنت « 1 » إذا ذاكرته « 2 » شيئا من أمور الآخرة يصفرّ وجهه ويغلبه الدمع ، فلا يقدر أن يمسكه ، وكان قد أثر الدمع في عينيه لكثرة بكائه ، وعمي في آخر عمره ، ويغلب على ظني أنه إنما عمي من كثرة البكاء ، وكان النور باديا على وجهه .
توفي يوم الأحد بعد صلاة العصر لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول ، وقبر يوم الثلاثاء غرة ربيع الآخر سنة ست عشرة وسبعمائة ، وشهده عالم كثير من الناس ، ولما خرج نعشه « 3 » ، ازدحم الناس عليه ، حتى صار النّعش في أكفهم ، إلى أن وصل إلى قبره ، ودفن بباب تونس بالروضة التي فيها الشيخ أبو الحسن القابسي .
قلت : وقبره « 4 » هو صاحب اللوح الذي في آخر الحوطة من جهة الجوف ، مكتوب [ فيها ] « 5 » اسمه ، كما [ كانت العادة ] « 6 » - [ رحمه اللّه ورضي عنه ونفعنا به آمين ] « 7 » - .
355 - ومنهم أبو سعيد فرج بن عبد اللّه المسراتي العابد الزاهد :
قال العواني : كان رجلا « 8 » صالحا ، نبيلا ، عاقلا ، ورعا ، زاهدا ، من القائلين بالحق ، العاملين به . وعرّفني بذلك جدي عبد الملك « 9 » ، وأخبرني عنه أيضا أنه حجّ مرارا ، وجاور زمانا ، وجاهد أعواما ، ولزم الرباط بثغور المسلمين مدة من السنين ، حتى أوهنته العبادة والكبر ، فالتزم القيروان ، وصار جليس بيته ، معوّلا في معيشته على البقول ، وكان يفرغ نفسه للعبادة في شهر رمضان ، ويغلق بابه طول نهاره .
ويدخل إلى بيته فيقبل على الذكر والصلاة ، فلا يتحرك من داره إلا إلى المسجد خاصة لأداء الصلاة ، منافسا في فضل الجماعة ، فإذا قضاها عاد إلى مكانه ، قد عرف إخوانه وقصّاده حاله ، فإذا جاء شهر رمضان توقّفوا عن زيارته ومواصلته .
هامش
( 1 ) إسقاط الواو من : ت .
( 2 ) ت : ذكرته .
( 3 ) ت : بنعسه .
( 4 ) إسقاط الواو من : ت .
( 5 ) ت : فيه .
( 6 ) ت : ذكر .
( 7 ) سقط من : ت .
( 8 ) ت : شيخنا .
( 9 ) ترجم له في ( 342 ) .