عبيد بالقيروان ، وفشى مذهبهم وإضرارهم بأهل السّنّة ، فكتب إليه أبو الفضل : يقول لك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في رؤيا رآها : ترحل من بلدة معصومة إلى غيرها .
قلت : يحتمل أن يكون المراد أن السّاكن بها لا يزال عن دينه إلى يوم القيامة ، بخلاف المنستير فلا يدرى ما يكون من أهلها في المستقبل ! ويحتمل أن يكون إشارة إلى أنه ما دام بالقيروان يعصمه اللّه منهم مع غلظته عليهم ، وكذلك كان يحمد اللّه تعالى .
قال : وكان الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن أبي بكر الجبنياني رضي اللّه تعالى عنه ، إذا قدم أحد من النّاس إليه فسأله عن القيروان وعن العلماء بها ثم يقول : إنما القيروان كالرأس ، وإفريقية كالجسد ، وإنما يصح الجسد إذا صحّ الرأس ، وفضائلها كثيرة شهيرة يخرجنا تتبعها عن الاختصار . وقد قال أبو القاسم الفزاري في قصيدة له طويلة ، كان أنشدها بين يدي أبي يزيد الخارجي بمحضر علماء القيروان يستعطفه بها ويصف بني عبيد وما هم عليه فأنشد في ذلك :
فهل للقيروان وساكنيها * عديل حين يفتخر الفخور ؟
بلاد حشوها علم وحلم * وإسلام ومعروف وخير
عراق [ الشرق ] « 1 » بغداد وهذي * عراق الغرب بينهما كثير
ولست أقيس بغدادا إليها * وكيف تقاس بالسّنة الشّهور ؟
بلاد تقصف الجبار قصفا * إذا ما رامها منهم غدور
بلاد خطّها أصحاب بدر * وتلك اختطّ ساحتها أمير
بناها المستجاب وقد دعا في * جوانبها دعاء لا يبور
بناها كل بدري كريم * كان صفاح أوجههم بدور
هم صلوا بمسجدها براحا * وليس لها جدار مستدير
هم وضعوا لها أسسا وساسا * فقدّست المواضع والصخور « 2 »
وقادهم الأذان إليه حتى * أضاء لهم من المحراب نور
ولم يسبقهم ملك ظلوم * لتأسيس ولا ملك كفور
هامش
( 1 ) في ط : الشام ، التصويب من : ت ، والرياض 2 / 492 .
( 2 ) في ت : والستور .