ثم لم تجد لك بمباشرتها بدّا ، أو يقدحك إن وكلتها إلى غيرك ، وتضيع ، وإنّما الأمور كلّها أمران : صغير لا ينبغي أن تباشره ، وكبير لا ينبغي أن تكله إلى غيرك ، ومتى باشرت صغار الأمور شغلتك عن كبارها ، وإن صيّرت كبارها إلى غيرك أضعت أكثر مما حفظت ، وأفسدت أكثر ممّا أصلحت ، واسأل اللّه تعالى الذي اختار العدل لنفسه ، وأمرنا بالقيام به في خلقه أن يلهمك وأن يجعلك من أهله وحملته ، والقوّام في عباده وبلاده آخر العهد .
ثم إنّ الملك اشتدت علته وثقل جهدا ، فقال له أرسطو : أيّها الملك المحمود ، قد جمع اللّه عزّ وجلّ لك من حسن الذكر وجميل الصواب ما تستحقّ به كرامة ما أنت صائر إليه ، وهذا سبيل الأبرار المتألّهين ، ثم قضى نحبه .
وأفضى الأمر إلى الإسكندر ، فساس أحسن سياسة وأوفقها ، وفتحت له الدنيا ، وكان لا يخلو أرسطو من سرّه ومشورته حتى مات ببابل بعد أن دانت له الأرض أربع عشرة سنة ، وقيل دفن بحمص ، وبني عليه قبّة ، وتفرّق الملك بعده في فارس وملوك الطوائف الاسكاسه « 1 » والرّوم ، وانقضت الأمور إلى أن خرج أردشير من بابل من آل ساسان ، فجمع الممالك ؛ والدنيا دول ، والمال « 2 » عارية ، والباني مغترّ بمن سلف ، فسبحان من لا يدخل ملكه التغيير ، وهو اللّه الحقّ ؛ وتشاور الحكماء في أن يسجد له « 3 » كالإله ، فنهاهم ، وقال : لا سجود لغير بارئ الكل ، ويحقّ له السّجود على من كساه بهجة الفضائل ؛ وأغلظ له رجل من أهل بيته ، فقام إليه بعض قوّاده ليقابله بالواجب ، فقال له الإسكندر : دعه لا تنحطّ إلى دياته ولكن ارفعه إلى شرفك .
وقال : يجب على أهل الحكمة أن يسرعوا إلى قبول اعتذار المذنبين
هامش
( 1 ) « كذا » في « أ » .
( 2 ) « كذا » في « أ » . ولعلّها : الآمال .
( 3 ) له : سقطت من « أ » . وهي زيادة يقتضيها السياق .