والخبر جمعا .
وأظن الذي حمل أبا إسحاق على أن هيهات معناه البعد رفعا ، أنه لم ير في قوله :
هَيْهاتَ *
فاعلا ظاهرا مرتفعا فحمله على أن موضعه رفع كالبعد . والقول في هذا : أن في هيهات ضميرا مرتفعا ، وذلك أن الضمير عائد إلى قوله :
أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ
، الذي هو بمعنى الإخراج ، فصار في هيهات هذا الضمير العائد إلى الإخراج ، فصار في هيهات ضميرا له . والمعنى : هيهات إخراجكم للوعد ، أي : بعد إخراجكم للوعد .
ففاعل هيهات في قول الشاعر : فهيهات العقيق ، الاسم الظاهر ، وإنما كرر هيهات في الآية والبيت للتأكيد .
وأما قوله : ويقال : هيهات ما قلت ، وهيهات لما قلت : فمن قال : هيهات [ ما قلت ] فمعناه : البعد لما قلت ، ومن قال : هيهات لما قلت ، فمعناه : البعد لقولك . فقد ذكرنا أن هيهات لا يجوز أن يكون للبعد ، وأنه اسم سمّي به الفعل ، فإجازته « هيهات ما قلت » على أنه للبعد ، ليس بجائز . وإنما قلت :
يرتفع بهيهات كما يرتفع ببعد ، وأما إجازته : هيهات لما قلت ، فإنما قاسه على قوله تعالى :
هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ
. وليس قولك مبتدئا : هيهات لما قلت ، مثل الآية ، لأن التي في الآية فيها ضمير كما أعلمتك ، ولا ضمير فيها مبتدئ . فبان أن قوله :
هيهات لما قلت ، ليس كما قاسه ، لأنه خال من ضمير الفاعل . فإن قال : هيهات لقولك ، وكان في هيهات ضمير كما في الآية ، جاز وإلا امتنع .
وقوله : وأما من نوّن هيهات فجعلها نكرة ، ويكون المعنى : بعد لما قلت ، ففيه اختلاف .
قيل : إنه إذا نوّن كان نكرة ، لأن هذه التنوينة في الأصوات إنما تثبت علما للتنكير ، وتحذف علما للتعريف ، كقولهم : غاق وغاق ، وإيه وإيه . فجائز أن يكون المراد بهيهات إذا نوّن التنكير . وقيل : إنه إذا نوّن أيضا كان معرفة ، كما كان قبل التنوين ، لأن التنوين في مسلمات ونحوه ، نظير النون في مسلمين ، فهي إذا ثبتت لم تدل على التنكير كما تدل عليه في غاق ، لأنه بمنزلة ما لا يدل على تعريف ولا تنكير ، فهو على تعريفه الذي كان عليه قبل دخول التنوين ، إذ ليس التنوين فيه كالذي في غاق . قال أبو العباس : وهذا الوجه قوي . هذا آخر كلام أبي علي الفارسي .
قال الواحدي : فحصل في معنى هيهات ثلاثة أقوال : أحدها : أنه بمنزلة الصّفة ، كقولك : بعيد ، وهو قول الفراء . والثاني : أنه بمنزلة البعد ، وهو قول الزجّاج وابن الأنباري . والثالث : أنه بمنزلة بعد ، وهو قول أبي علي وغيره من حذاق النحويين . فهو على هذه الأقوال بمنزلة الصفة والمصدر والفعل .
وفيه لغات : فتح التاء بلا تنوين ، قال الفراء :
هما أداتان جمعتا كخمسة عشر . قال : ويجوز أن يكون نصبها كنصب ربّت وثمّت . واللغة الثانية :
هيهاتا بالتنوين مع الفتح ، قال ابن الأنباري : هو شبيه بقوله تعالى :
فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ
[ البقرة :
88 ] . والثالثة : هيهات بكسر التاء ، قال الفراء : هو بمنزلة وراك . والرابعة : الكسر مع التنوين ، قال ابن الأنباري : شبّهوه بالأصوات كغاق ، والخامسة :
هيهات بالرفع بغير تنوين . والسادسة : هيهات بالرفع والتنوين . قال : ومن العرب من يقول :
أيهات ، في هذه اللغات كلها ، ومنهم من يقول :
أيها ، بلا تنوين ، يحذف التاء كما حذفت الياء من حاش للّه . والمستعمل من هذه اللغات كلها استعمالا غالبا الفتح بلا تنوين .
قال الأزهري : واتفق أهل اللغة على أن تاء