حدثني بعض العراقيين : أن " الحيص بيص " كان قد نقه من مرض « 1 » ، عاده فيه " أبو القاسم بن الفضل " ، فوصف له أكل الدراج ، فمضى غلامه واشترى دراجا ، واجتاز على باب أمير ، وبه غلمان ترك أصاغر يلعبون ، فخطف أحدهم الدراج من الغلام ، ومضى فأتى الغلام إليه فأخبره بالخبر ، فقال له : ائتني بدواة ، وبيضا ، فأتاه بهما ، فكتب : " لو كان مبتر « 2 » دراجه فتخاء كاسر ، وقف بها الشغب بين التدويم « 3 » ، والتمطر فهي تعقى « 4 » وتسف ، وكان بحيث تنقب أخفاف الإبل لوجب الإغذاذ إلى نصرته « 5 » ، فكيف وهو ببحبوحة كرمك ، والسلام .
ثم قال لغلامه : امض بها « 6 » وأحسن السفارة في وصلتها إلى الأمير ، فمضى ودفعها لحاجبه ، فدعا الأمير بكاتبه وناوله الرقعة ، فقرأها ، ثم فكر « 7 » ؛ ليعبر له عن المعنى ، فقال له الأمير : ما هو ؟ فقال : مضمون الكلام ، أن غلاما من غلمان الأمير أخذ دراجا من غلامه ، فقال : اشتر له قفصا مملوءا دراجا ، " فاحمله إليه " « 8 » ففعل .
وحدثني شيخنا الحكيم " مهذب الدين عبد الرحيم بن علي " : أن " الحيص بيص " الشاعر ببغداد ، كان قد كتب إلى " أمين الدولة بن التلميذ " ورقة ، يقصد فيها أن ينفذ إليه شياف آبار « 9 » ، وهي أزكنك : أيها الطيب اللب الآسى النطاسى النفيس النقريس ، أرجنت عندك أم خنور ، وسكعت عنك " أم هوير " « 10 » إنّي مستأخذ أشعر في حنادرى رطاليس ، كاسب شبوة ولا كنخر المنصحة ولا كنكز الحضب ، بل كسفع الزخيخ ، فأنا من التباشير إلى الغباشير لا أعرف ابن شمير من ابن جمير ، ولا أحسن صفوان من همام ، بل آونة أرجحن شاصيا ، وفنية أحبنطى مقلوليا ، وتارة اعرنزم وطورا أستلقى ، كل ذلك مع أح وأخ وحس وتهم قرونتى أن أرفع عقيرتى بعاط عاط إلى هياط ومياط وهالى أول وأهون وجبار ودباز ولها أغرندى ، ولا أشرندى ومؤنس وعرونة وسيار ، لا أحيص ولا أبيص « 11 » ، فتبادرنى بشياف « 12 » الآبار النافع لعلتى ، والناقع لغلتى « 13 » .
قال : فلما قرأ " أمين الدولة " الورقة ، نهض لوقته وأخذ حفنة شياف آبار ، وقال لبعض أصحابه : أوصله إياها عاجلا « 14 » ، ولا تتكلف قراءة ورقة ثانية .
هامش
( 1 ) في أ : " مرض كان به " .
( 2 ) في ج : " شبر " .
( 3 ) في ج : " النديم " ، طبعة مولر : " التدوين " .
( 4 ) في أ : " تقفوا " .
( 5 ) في طبعة مولر : " نصر له " .
( 6 ) ساقط في ب ، والإضافة من أ ، ج .
( 7 ) في ب ، أ ، ج : " أفكر " ، والمثبت من طبعة مولر .
( 8 ) في ج : " وأحمد الله " .
( 9 ) شياف آبار : أدوية للعين أو نحوها ، وهو لما يتحمل في المقعدة . انظر : كتاب التنوير للحسن بن نوح القمرى : 49 ، مختصر تاريخ الطب العربي لكمال السامرائي : 1 / 302 .
( 10 ) في أ ، ج : " أم هو يراني " .
( 11 ) ساقط في ب ، والإضافة من أ ، ج .
( 12 ) في ب : " بأسياف " ، والمثبت من أ ، ج .
( 13 ) في أ : " لقلبى " .
( 14 ) ساقط في ج .