عليه ، وإرشادك إليه ، واغتنم الإمكان واعرف قيمته ، وتشاغل بشكر الله ، تعالى عليه ، وفز بحظ « 1 » نفيس من العلوم « 2 » ، تثق من نفسك بأن عقلته ، وملكته لا قرأته ورويته ، فإن بقية « 3 » الحظوظ تتبع هذا الحظ المذكور ، وتلزم صاحبه ومن طلبها من دونه ، فإما أن لا يجدها ، وإما أن لا يعتمد عليها إذا وجدها ، ولا يثق بدوامها ، وأعوذ بالله أن ترضى لنفسك ، إلا بما يليق بمثلك أن يتسامى إليه ، بعلو همته وشدة أنفته « 4 » ، وغيرته على نفسه ، ومما كررت " عليه الوصاة " « 5 » به ، أن لا تحرص على أن تقول شيئا ، إلا أن تكون مهذبا في معناه ولفظه ، ويتعين عليك إيراده ، فأما معظم حرصك فتصرفه إلى أن تسمع ما تستفيده ، لا ما « 6 » يلهيك ويلذ للأعمار وأهل الجهالة ، نزهك الله عن طبقتهم ، فإن الأمر كما قال " أفلاطون " : الفضائل مرة الورد ، حلوة الصدر . " والرذائل حلوة الورد « 7 » مرة الصدر " « 8 » .
وقد زاد " أرسطوطاليس " في هذا المعنى ، فقال : إن الرذائل لا تكون حلوة الورد عند ذي فطرة « 9 » فائقة ، بل يؤذيه تصور قبحها ، أذى يفسد عليه ، ما يستلذه غيره منها .
كذلك يكون صاحب الطبع الفائق قادرا بنفسه على معرفة ما يتوخى وما يجتنب ، كالتام الصحة ، يكفى حسه في تعريفه النافع والضار ، فلا ترض لنفسك ، حفظك الله ، إلا بما تعلم أنه يناسب طبقة أمثالك ، وأغلب « 10 » خطرات الهوى بعزمات الرجال الراشدين ، واطمح بنفسك إليها ، بتركك في طاعة عقلك ، فإن تسر بنفسك وتراها في كل يوم مع اعتماد ذلك في رتبة غلية ، ومرقاة من " سما في " « 11 » السعادة .
وكانت وفاة " أمين الدولة " ببغداد ، في الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول سنة « 12 » ستين وخمسمائة ، وله من العمر أربع وتسعون سنة ، ومات نصرانيّا ، وخلف نعما كثيرة ، وأموالا جزيلة غزيرة « 13 » ، وكتبا « 14 » لا نظير لها في الجودة ، فورث جميع ذلك ولده وبقي مدة ، ثم إن ولد " أمين الدولة " خنق في دهليز داره " الثلث الأول من الليل " « 15 » ، وأخذ ماله ، ونقلت كتبه على اثنى عشر جملا « 16 » إلى دار " المجد بن الصاحب " « 17 » ، " وكان ابن أمين الدولة " « 18 » قد أسلم قبل موته ، وقيل إنه قد كان شيخا ، وقد ناهز الثمانين سنة ( 19 ) .
هامش
( 1 ) في أ : " بحفظ " .
( 2 ) في أ ، ج : " العلم " .
( 3 ) ساقط في طبعة مولر .
( 4 ) في ج : " أنفه " .
( 5 ) في أ : " عليك الوصاة " ، ج : " عليه الرضا " .
( 6 ) ساقط في أ .
( 7 ) في ج : " الورود " ، وساقط في طبعة مولر .
( 8 ) ما بين الأقواس ساقط في ج .
( 9 ) في ب : " عندي فطرة " ، وفي أ : " نظرة " ، والتصحيح من ج .
( 10 ) في أ : " واعرف " .
( 11 ) ساقط في أ .
( 12 ) في ج : " اثنتين " .
( 13 ) إضافة من ب .
( 14 ) ساقط في أ .
( 15 ) في أ : " الأول من الأول " .
( 16 ) في ب : " جمالا " .
( 17 ) في أ : " المجدى " وهو " مجد الدين بن الصاحب " أستاذدار ، خادم أمير المؤمنين . انظر : وفيات الأعيان لابن خلكان :
6 / 58 .
( 18 ) ساقط في أ .