وكان يلقبه بتمساح الجن ، وسافر " ابن بطلان " من ديار مصر إلى القسطنطينية ، وأقام بها سنة ، وعرضت في زمانه أوباء كثيرة .
ونقلت من خطه فيما ذكره من ذلك ما هذا مثاله ، قال : ومن مشاهير الأوباء في زماننا الذي عرض عند طلوع الكوكب الأثارى في الجوزاء ، من سنة ست وأربعين وأربعمائة .
فإن في تلك السنة دفن في كنيسة لوقا ، بعد أن امتلأت جميع المدافن التي في القسطنطينية ، أربعة عشر ألف نسمة في الخريف ، فلما توسط الصيف في سنة سبع « 1 » وأربعين ، لم يوف النيل ، فمات في الفسطاط والشام أكثر أهلها وجميع الغرباء إلا من شاء الله . وانتقل الوباء إلى العراق ، فأتى على أكثر أهله « 2 » ، واستولى عليه الخراب بطروق العساكر المتعادية ، واتصل ذلك بها إلى سنة أربع وخمسين وأربعمائة .
وعرض للناس في أكثر البلاد قروح سوداوية وأورام الطحال ، وتغير ترتيب نوائب الحميات ، واضطرب نظام البحارين ، فاختلف علم الفضاء في تقدمة المعرفة .
وقال أيضا ، بعد ذلك : ولأن هذا الكوكب الأثارى طلع في برج الجوزاء ، وهو طالع مصر ، أوقع الوباء في الفسطاط بنقصان النيل في وقت ظهوره ، في سنة خمس وأربعين وأربعمائة « 3 » .
وصح إنذار بطليموس « 4 » القائل الويل « 5 » لأهل مصر ، إذا طلع أحد ذوات الذوائب والحمم في الجوزاء ، ولما نزل زحل « 6 » برج السرطان ، تكامل خراب ( العراق ) ، و ( الموصل ) ، و ( الجزيرة ) ، واختلت ( ديار بكر ) ، و ( ربيعة ) « 7 » ، و ( مضر ) « 8 » ، و ( فارس ) ، و ( كرمان ) ، و ( بلاد المغرب ) « 9 » ، و ( اليمن ) « 10 » ، و ( الفسطاط ) ، و ( الشام ) .
واضطربت أحوال ملوك الأرض ، وكثرت الحروب ، والغلاء ، والوباء ، وصح حكم " بطليموس " في قوله : إن زحل والمريخ متى اقترنا في السرطان زلزل العالم « 11 » .
هامش
( 1 ) في أ ، ج : " أربع " .
( 2 ) في ج : " أهلها " .
( 3 ) ساقط في ج .
( 4 ) هو بطليموس القلوذى ، صاحب كتاب ( المجسطى ) ، وهو إمام فاضل في علم الرياضة ، والفلك والجغرافيا والفيزياء ، ومن كبار علماء اليونان المشهورين ، وكان على علم كبير بأخبار الأمم السابقة ، ومن أهم كتبه : كتاب المواليد ، والحرب والقتال ، واستخراج السهام ، والمرض ، وشراب الدواء ، واقتصاص أحوال الكواكب ، وغيرها ، وهو أول من عمل الأسطرلاب الكرى ، والآلات النجومية ، والمقاييس والأرصاد . وكانت وفاته بعد سنة 161 م . انظر في ترجمته :
طبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل : 37 ، إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطى : 67 ، الفهرست للنديم : 540 .
( 5 ) ساقط في ب .
( 6 ) ساقط في أ .
( 7 ) تقع ديار ربيعة بين الموصل ، رأس عين ، ونصيبين ، ورأس عين دنيسير والخابور ، وتضم العديد من القرى والمدن ، وكانت العرب تقيم بهذه المناطق قديما ، وربما جمع بين ديار بكر وديار ربيعة تحت اسم ديار ربيعة ؛ لأن الفريقين يرجع نسبهما إلى ربيعة . انظر : معجم البلدان لياقوت الحموي : 2 / 562 .
( 8 ) ديار مضر : الأرض الواسعة الواقعة في السهل بقرب شرقي نهر الفرات ، نحو حران والرقة وشمشاط وسروج وتل موزن . انظر : معجم البلدان لياقوت الحموي : 2 / 562 .
( 9 ) بلاد المغرب ، بلاد واسعة في شمال القارة الإفريقية ، وكانت تطلق قديما على البلاد التي تبدأ من مليانة ، وهي آخر حدود إفريقية ، إلى آخر جبال السوس إلى المحيط ، وتدخل في جزيرة الأندلس ، وكانت تضم تونس والجزائر المغرب ، وحتى برقة الليبية ، ويطلق هذا الاسم في العصر الحديث على المملكة المغربية فقط دون تونس والجزائر .
انظر : معجم البلدان لياقوت الحموي : 5 / 188 .
( 10 ) اليمن بلاد واسعة في جنوب الجزيرة العربية . تشتمل على حدود تقع بين عمان ونجران إلى بحر العرب ، وعدن وعمان والبحرين ، وكان يسكنها العرب قبل انهيار سد مأرب ، وبعد انهياره تفرقوا في شبه الجزيرة العربية ، ثم حكمها الأحباش ، والفرس حتى دخلها الإسلام فكانت على ثلاثة ولاة . انظر : معجم البلدان : 5 / 510 .
( 11 ) في أ : " القلم " .