تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون الأنباء في طبقات الأطباء — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
وقال في موضع آخر من كتابه هذا : إنه لما قطعت يد " ابن مقلة " استدعانى " الراضي بالله " في آخر النهار ، وأمرني بالدخول إليه وعلاجه ، فصرت إليه يوم قطع يده ، فوجدته محبوسا في القلاية التي في صحن الشجرة ، والباب مقفل عليه ، ففتح الخادم « 1 » الباب عنه ، ودخلت إليه فوجدته جالسا على قاعدة من بعض أساطين القلاية ، ولونه كلون الرصاص الذي " هو جالس " « 2 » عليه ، وقد ضعف جدّا ، وهو في نهاية القلق من ضربان ساعده ورأيت له في القلاية قبة خيش قد نصبت له ، وعليها طاقات من الخيش ، وفيها مصلى ، ومخاد طبري ، وحول المصلى أطباق كثيرة من الفاكهة حسنة « 3 » . فلما رآني بكى ، وشكى حاله ، وما نزل به وما هو فيه من الضربان ، ووجدت ساعده قد ورم ورما شديدا ، وعلى موضع القطع خرقة غليظة ، قردوانى « 4 » كحلية مشدودة بخيط قنب ، فخاطبته بما يحب ، وسكنت منه ، وحللت " الخيط ونحيت الخرقة " « 5 » ، فوجدت تحتها على موضع القطع سرجين الدواب ؛ فأمرت بأن ينفض عنه فنفض . وإذا رأس الساعد أسفل القطع مشدود بخيط قنب « 6 » ، وقد غاص في ذراعه لشدة الورم ، وقد ابتدأ ساعده يسود ، وعرفته أن سبيل « 7 » الخيط أن يحل ، وأن يجعل موضع السرجين كافور ، ويطلى ذراعه بالصندل والمارود والكافور . فقال : يا سيدي ، افعل ما رأيت ، فقال الخادم الذي دخل معي : أحتاج أن أستأذن مولانا في ذلك ، ودخل ليستأذن ، وخرج ومعه مخزنة « 8 » كبيرة مملوءة كافورا ، وقال : قد أذن لك مولانا أن تعمل ما ترى ، وأمر بأن ترفق به ، وتوفر العناية عليه ، وتلزمه إلى أن يهب الله له العافية . فحللت الخيط وأفرغت المخزنة في موضع القطع ، وطليت ساعده ، فعاش واستراح ، وسكن الضربان ، وسألته : هل اغتذى « 9 » ؟ فقال : وكيف ينساغ لي « 10 » طعام ؟ ؛ فتقدمت بإحضار طعام ، فأحضر ، وامتنع من الأكل ، " فرفقت به " « 11 » ، ولقمته بيدي فحصل له نحو عشرين درهما من الخبز ، ولحم « 12 » فروج نحو ذلك . وحلف أنه لا يقدر يبلع شيئا آخر ، وشرب ماء باردا ، وعاشت روحه .
هامش
( 1 ) في أ ، ج : " الخدم " . ( 2 ) ساقط في أ . ( 3 ) في ج : " حسنا " . ( 4 ) في أ ، ج : " فردانى " ، ك : " قرواتى " . ( 5 ) في أ : " حللت خيط الخرقة " ، ج : " الخيط وحليت الخرقة " . ( 6 ) القنب : نبات ينتفع به في عمل الحبال القوية ، وله ورق كورق الشجر ، منتن الرائحة ، وبزره يطرد الرياح ، وتنفع عصارته في دهن وجع الأذن ، وحبه عسر الانهضام ردئ للمعدة ، ويقطع المنى ، ويحلل النفخ ، مع أنه يصيب الرأس بالصداع ، ويظلم البصر . انظر : جامع الأدوية المفردة لابن البيطار : 3 / 290 . ( 7 ) ساقط في ج . ( 8 ) في أ : " مخرقة " ، ج : " محرمة " . ( 9 ) في ج : " اغتذيت " . ( 10 ) في ج : " في " . ( 11 ) في ج : " فرفقته " . ( 12 ) في أ ، ج : " ومن لحم " .
عيون الأنباء في طبقات الأطباء — صفحة 217 | ابن أبي أصيبعة / عامر النجار