ليال خلون من جمادى الآخرة ، ضرب " أبو علي بن مقلة " بالمقارع في دار الوزير " عبد الرحمن " « 1 » ، وأخذ خطه بألف ألف دينار ، وكان الذي تولى ذلك منه " بنان " « 2 » الكبير من الحجرية ، ثم أسلم إلى " أبى العباس الحصيني " ، ووكل به " ماكرد " ، و " بنان " الكبير ، ورد " الحصيني " مناظرته إلى " أبى القاسم عبيد الله بن عبد الله الإسكافى " ، المعروف بأبى نقرة « 3 » ، ومطالبته إلى " الدستوائي " ، فجرت عليه منه المكاره ، والتعليق ، والضرب ، والدهق أمر عظيم .
والذي شاهدت أنا من أمره أن " أبا العباس الحصيني " كلفني يوما الدخول إليه لمعرفة خيره من شئ تشكاه ، وقال : إن كان يحتاج إلى الفصد ، فتقدم إليه « 4 » من يفصده بحضرت ، فدخلت إليه ، فوجدته مطروحا على حصير خلق على بارية ومخدة وسخة خليعة « 5 » تحت رأسه ، وهو عريان بسراويل ، فوجدت بدنه من رأسه إلى أطراف أصابع رجليه كلون « 6 » الباذنجان « 7 » سواء ، ليس منه عقد سليم ، ووجدت به ضيق نفس شديد ؛ لأن " الدستوائي " كان قد دهق صدره ، فعرفت " الحصيني " أنه شديد الحاجة إلى الفصد .
فقال لي : يحتاج أن تلحقه ، كد في المطالبة ، فكيف نعمل به ؟ قلت : لا أدرى ، إلا أنه إن ترك ولم يفصد مات ، وإن فصد ولحقه مكروه بعده تلف .
فقال لأبى القاسم بن أبي نقرة ، و " الإسكافى " : أدخل إليه ، وقل له « 8 » : إن كنت تظن أنه يلحقك ترفيه إذا افتصدت ، فبئس ما تظن ، فافتصد وضع في نفسك أن المطالبة لا بد منها ، ثم قال لي : يجب أن تدخل إليه معي . فاستعفيته من ذلك ، فلم يعفني فدخلت معه ، وأدى الرسالة بحضرتي .
فقال إذا كان الأمر على هذا فلست أريد أن أفتصد ، وأنا بين يدي الله . فعدنا إليه وعرفناه ما قال ، فقال :
أي شئ عندك ، وما الذي ترى ؟ . قلت : الذي أرى أن يفصد وأن يرفه . فقال : افعل ، فعدت إليه ، وفصد بحضرتي ، ورفه يومه ، وخف ما به .
وكان يتوقع المكروه من غد ، وهو برعب ، طائر العقل ، فاتفق سبب للحصينى ، أحوجه إلى الاستتار في ذلك اليوم ، وبقي " ابن مقلة " مرفها ، ليس أحد يطالبه ، وكفى أمر عدوه من حيث لم يحتسب ، ورجعت نفسه إليه .
وحضر " ابن قرابة " ، فضمن ما عليه وتسلمه ، وقد كان أدى قبل ذلك إلى " الحصيني " نيفا وخمسين ألف دينار ، وأشهد عليه العدول بأنه قد باع جميع ضياعه ، وضياع أولاده ، وأسبابه من السلطان .
هامش
- - ثم استوزره القاهر بالله ، ومن بعده الراضي بالله سنة 322 ه ، فما لبث أن قبض عليه وسجنه وقطع يده ولسانه ، وكانت وفاته في شهر ربيع الآخر سنة 338 ه ، وعمره 70 سنة . انظر في ترجمته : وفيات الأعيان لابن خلكان : 5 / 112 ، النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى : 3 / 268 ، الوافي بالوفيات لابن أيبك الصفدي : 4 / 109 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 15 / 224 ، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي : 2 / 310 .
( 1 ) في أ : " أبى عبد الرحمن " .
( 2 ) في أ ، ج : " بيان " .
( 3 ) في أ ، ج ، طبعة مولر : " نعرة " .
( 4 ) في أ ، طبعة مولر : " إلى " .
( 5 ) في أ ، ج : " خليقة " .
( 6 ) في أ ، ج : " كان هو " .
( 7 ) الباذنجان : يستخدم كطعام مع أنه ردئ للرأس والعين ، وسبب البواسير والرمد والأمراض السوداوية ، مع أنه يقوى المعدة ، ويقطع عرق الدم ، ويقطع الثآليل ، وينفع شقوق الكعبين وبين الأصابع ، وطبعه حار يابس . الجامع لمفردات الأدوية والأغذية لابن البيطار : 1 / 109 .
( 8 ) في أ : " وقال " .