ودبرا على " الكندي " حتى ضربه « 1 » المتوكل ، ووجها إلى داره فأخذا كتبه بأسرها وأفرداها في خزانة سميت الكندية ، ومكن هذا لهما استهتار المتوكل بالآلات المتحركة .
وتقدم إليهما في حفر النهر المعروف بالجعفرى ، فأسندا أمره إلى " أحمد بن كثير الفرغاني " « 2 » الذي عمل « 3 » المقياس الجديد بمصر ، وكانت معرفته أوفى من توفيقه ؛ لأنه ما تم له عمل قط ، فغلط في فوهة النهر المعروف بالجعفرى ، وجعلها أخفض من سائره ، فصار ما يغمر الفوهة « 4 » لا يغمر سائر النهر .
فدافع " محمد " ، و " أحمد " ابنا موسى في أمره ، واقتضاهما المتوكل فسعى بهما إليه فيه ، فأنفد مستحثا في إحضار " سند بن علي " من مدينة السلام ، فوافى .
فلما تحقق " محمد " ، و " أحمد " ابنا موسى ، أن " سند بن علي " قد شخص « 5 » ؛ أيقنا بالهلكة ويئسا من الحياة ، فدعى المتوكل بسند ، وقال له : ما ترك هذان الرديان شيئا من القول إلا وقد ذكراك عندي به .
وقد أتلفا جملة من مالي في هذا النهر . فأخرج إليه تتأمله وتخبرني بالغلط فيه ، فإني قد آليت على نفسي إن كان الأمر على ما وصف لي « 6 » أن أصلبها على شاطئه .
وكل هذا بعين " محمد " ، و " أحمد " ابنا موسى ، وسمعهما . فخرج وهما معه ، فقال " محمد بن موسى " لسند يا " أبا الطيب " إن قدرة الحر تذهب حفيظته ، وقد فزعنا إليك في أنفسنا التي هي أنفس أعلاقنا ، وما ننكر أن أسأنا ، والاعتراف يهدم الاقتراف ، فتخلصنا كيف شئت .
فقال لهما ، والله إنكما لتعلمان ما بيني وبين " الكندي " من العداوة والمباعدة ولكن الحق أولى ما أتبع . أكان من الجميل ما أتيتماه إليه من أخذ كتبه ؟ وو الله لا ذكرتكما بصالحة حتى تردا عليه كتبه .
فتقدم " محمد بن موسى " في حمل « 7 » الكتب إليه ، وأخذ خط باستيفائه ، فوردت رقعة " الكندي " يتسلمها عن آخرها .
فقال : قد وجب لكما على ذمام برد كتب هذا الرجل ، ولكما ذمام بالمعرفة التي ( لم ) « 8 » ترعياها في ، والخطأ في هذا النهر بستتر أربعة أشهر بزيادة دجلة .
هامش
( 1 ) في أ ، ج : " صرفه " .
( 2 ) أحمد بن محمد بن كثير الفرغاني ، أحد كبار مشاهير المنجمين في العصر العباسي ، وله كتاب في علم النجوم يطلق عليه " المدخل إلى علم هيئة الأفلاك وحركات النجوم " . انظر في ترجمته : إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطى : 56 .
( 3 ) في أ ، ج : " كان على " .
( 4 ) في ج : " القوة " .
( 5 ) في أ ، ج : " أشخص " .
( 6 ) في أ ، ج : " وصفت " .
( 7 ) في أ : " رد " .
( 8 ) ساقط في أ .