ويقدم إليه مثل ذلك ، وكذلك بين يدي " غالب " الطبيب ، ثم يقدم إلى سائر الجلساء صوانى مدهون وقنانى زجاج وغير ذلك .
قال وسمعته وقد شكا إلى " الموفق " ما يجرى عليه في ضياعه ، فتقدم " الموفق " إلى " صاعد " بأن يكتب له ما يريد ، ثم إن " يوحنا " حضر بعد مدة مديدة فعدد على " الموفق " إحسانه إليه ، ومعروفه عنده ، وأن " صاعدا " يكدر إحسانه إليه ، ويكتب إلى العمال كتبا فيما يبطل عليه ضياعه وأملاكه . فتقدم إليه " الموفق " بالانصراف إلى مضربه ، وأعلمه بكيفية في هذا .
ووجه " الموفق " إلى " صاعد " فأحضره ، وقال له : أنت تعلم أنه ليس لي في هذه الدنيا من أستريح إليه ، وأعلم ما في سويداء قلبي ، وهو مفرج كربى ، غير " يوحنا " ، وأنت دائب الحيلة على تنغيص عيشى بشغل قلبه عن خدمتي ، فعل الله بك وفعل . فلم يزل " صاعد " يحلف له حتى حل سيفه ومنطقته . وقال له : امض الساعة مع " راشد " إلى مضرب " يوحنا " ، ولا تدع جهدا في أن تتوصل إلى جميع ما يحبه ، وتوثق له وخذ خطه بأنك قد بلغت كل ما أراده ، وأنفذ إلى مع " راشد " .
قال : فمضى ، وكنت أنا أحد من مضى معهما ، حتى دخلنا إلى مضرب " يوحنا " ، وإذا به قاعد على حصر سامان في قبة له ، فلما قرب منه " صاعد " قام له فسلم عليه ، وعلى " راشد " وعلى ، وجلسوا وجلست ، ثم قال " صاعد " وحلف له .
فقال له : وما ينفعني ، وأنت تكتب بضد ما تظهر ، فأعاد اليمين ووثق له ، ثم دعا صاعد بمنديل وجعل في حجره وأخذ القرطاس والقلم ، وجعل يكتب ويخرط الخرائط حتى بلغ ما أراده " يوحنا " ، وأخذ خطه وشهادتي ومن حضر ، وأنفذها مع " راشد " إلى " الموفق بالله " ، وما احتاج " يوحنا " بعد ذلك أن يستزيد في شئ من أموره .
وليوحنا بن بختيشوع من الكتب :
- ( كتاب فيما يحتاج إليه الطبيب من علم النجوم ) « 1 » .
* بختيشوع بن يوحنا :
كان عالما بصناعة الطب حظيّا من الخلفاء ، وغيرهم ، واختص بخدمة " المقتدر بالله " . وكان له من " المقتدر " الأنعام الكثيرة ، والإقطاعات من الضياع .
وخدم بعد ذلك " الراضي بالله " « 2 » فأكرمه ، وأجراه على ما كان باسمه في أيام أبيه " المقتدر " ، ومات " بختيشوع بن يوحنا " في يوم الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة ببغداد .
هامش
( 1 ) ما بين الخاصرتين إضافة من طبعة مولر .
( 2 ) في طبعة مولر : " الرضى " .
وهو أبو العباس " محمد بن جعفر بن أحمد " أمير المؤمنين الراضي بالله ، ولد سنة 297 ه 910 م ، ونشأ في رعاية أبيه المقتدر ، وكان قد دفع به وبأخيه هارون إلى الصولي ، فتعلم الأدب والشعر ، والبيان ، وبويع بالخلافة بعد القاهر بالله سنة 322 ه 934 م ، وكانت وفاته سنة 329 ه 940 م . انظر في ترجمته : أخبار الراضي والمرتضى للصولى : 1 / 185 ، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي : 2 / 142 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 15 / 103 .