فاستنفرته إلى السخط مرة وإلى الرضى أخرى ، فأسرف في الخلتين « 1 » ومال عن النجدين ، فأين مستقر القديم منه « 2 » ؟ حيث لم يدرأ عنه النوازل الممضّة ، والآفات العارضة ، ويستدعي لنفسه بدرأته لذلك عاجل السلوة ، وينفي عنها نوادر الشقوة ، ويعاود ما يديم له السرور ، ويدفع عنه المحذور ، ولو ألهم نفسه أحسن ما يلهم لزاح عنه خاطر الهم ، ولم يعدم محمود العاقبة وعلو الذكر في القيام ، والصوت الرفيع في محافل الأقوام ، ولا قصّر عن شقشقته وشهد بالفضل المزائل « 3 » طريقته ، ولكنه لم يحم أنفه ، وقلّ عن مزايلة ما تهواه نفسه إلفه ، فامتشجت « 4 » الأدواء في آرابه ، واستلبته رصين آدابه ، فابتغى السلامة من غير جهتها ، والراحة بعد فوتها ، كلا لن يكون فرع من غير أصل ، ولا جود إلا ببذل ، ولا زكا مخلوق إلا بفضل يجشّم فيه نفسه المجهود ، ويستدعي لهابه « 5 » الثناء المحمود ، ويجنبها الموبقات والشهوات المرديات ، وليس من نفس إلا وهي تراود صاحبها على الهوى ، وتدعوه إلى موارد الردى ، فمن أعطاها زمامه أركبته ردعه « 6 » .
ومن منعها ما تهوى فاز بالرغبا ، ففي هذا لكم يا بني بيان ومعتبر . ومن لم يستظهر بالحزم على مداق الأخلاق ودناءتها ، ويزجر النفس عن شهواتها ، قصر دون رميته ، ولم يدرك الثناء الذي سما إليه بأمنيته .
ومن أحب أن تخضع له غلب الرقاب ، ويقل في طاعته الارتياب ، وينتهى عن أمره ونهيه ، ويقتدى برأيه ، فليأصر « 7 » نفسه من ذلك على ما يريده من غيره ،
هامش
( 1 ) في ( أ ) في الخلين .
( 2 ) في ( أ ) فيه .
( 3 ) في ( أ ) المزائل .
( 4 ) أي : اختلطت .
( 5 ) اللهاب : اشتعال النار ، إذا خلص من الدخان . قاموس 173 .
( 6 ) الردع : بمعنى الكف أو المنع .
( 7 ) الأصر : الحبس . قاموس 438 .